

الثقة ..هذا الدواء العجيب
![3efa15f395[1] 3efa15f395[1]](http://abeeralnahas1.files.wordpress.com/2009/11/3efa15f3951.jpg?w=470&h=352)
الثقة … هذا الدواء العجيب
كنت في الثامنة من عمري عندما دعتني صديقتي ابنة الجيران لتمضية بعض الوقت في اللعب معها في منزلهم القريب من منزلنا , و قد سمحت لي والدتي بالذهاب إليها بسرور لتمضية ساعات الصيام بيسر و سهولة , فقد كان الزمان وقتها شهر الصيام و كنا نتوق لساعة الإفطار , و نرهقها بسؤالنا عن الوقت المتبقي لساعة السرور تلك .
و فوجئت بصديقتي تتناول الطعام في منزلها بكل ثقة , و أجابتني على تساؤلي مبتسمة :
- أنا أتناول الطعام عندما تكون أمي خارج المنزل, و لكن عندما تكون هنا لا أكل شيئا .
و تناولت معها الفاكهة و قد أقنعتني أننا ما زلنا صغارا و سنصوم عندما نكبر و لكن لا بأس من أن يظن الأهل أننا صائمات حقا.
و عدت للمنزل و معي سري الكبير , و بدأت النقنقة من الثلاجة و من المطبخ بعيدا عن رقابة الأهل, و في ظني أنني أسجل بطولة في عيون أفراد عائلتي دون أن أعاني ألام الحرمان و ظننت الأمر كسبا و ربحا .
و لمحتني أختي أتناول حبات الفول من القدر فصرخت متسائلة :
- أأنت مفطرة و تمثّلين علينا ؟
و تصنّعت النسيان فلم تصدّقني , فقد أعلن وجهي عن فعلتي, ووشت بي ملامحه , و طارت أختي نحو والدتي تبشرها بما جرى و كأنها نالت كنوز مصباح علاء الدين , و من ثم عرضت عليها قشور حبات الفول التي رميتها في سلة المهملات , و كُشف أمري و امتقع لوني و أنا أقول لوالدتي بخوف :
- لا يا ماما لا تصدقيها أنا ما زلت صائمة .
و قطبت والدتي جبينها متألمة , و قالت لأختي الصغيرة :
- عندما تقول أختك أنها صائمة فهي كذلك , فأختك لا تكذب أبدا , و هي تعلم أن الله يراها و أنه من سيحاسبها على أعمالها يوم القيامة .
و لم أكن بحاجة لأن أقنع نفسي بأن والدي عرفت القصة و لكنها أرادت أن تلقنني درسا هو أجمل دروس العمر .
أصابني ندم شديد وقتها , و تألمت طويلا , و كنت أشعر بالخجل كلما تذكرت القصة , فقد كنت متأكدة من أنني خنت ثقة والدتي بي , و أنني سأقضي وقتا طويلا لأستعيد مكانتي لديها , و أنني سلكت درب المنافقين عند ربي و نسيت أنه مطَّلع عليّ و أن هناك من يسجّل علينا الحركات و السَّكنات .
ووصلت إلى مكان يشبه مكان والدتي في ذلك الزمان , و رأيت أن رحمتها و حكمتها هي سر تغافلها عني وقتها , و عزمت أن أكون مثلها في منح الثقة للصغار و الإعلان عن هذا في كل حين , و حينها سيحملون هموم أنفسهم بأنفسهم , و سيجهدون للحفاظ على تلك المكانة في عيني , مع التذكير اللطيف بأن الله يراهم و هو معهم أينما كانوا , و قبل هذا أن أزرع في نفوسهم محبة الله سبحانه .
لم أعد لفعلتي تلك مطلقا , و قد بات النفاق منذ ذلك اليوم ألدَّ عدو لي , و قد ازددت تعلقا بوالدتي و حبا لها , و قد رأيت ثقتها و رحمتها الكبيرة بنا و تجاوزها عن هناتنا .
رعاك الله يا أماه , و جعلك من أهل الصلاح و الفلاح , و أجزل لك العطاء , و أبدلك برحمتك بنا و نحن صغار رحمات واسعة في الدنيا و الآخرة .
مجلة الإسلام اليوم
دفاعا عن الخريف ..


دِفاعاً عن الخَريف ..
لمْ أكنْ قدْ فَكرت في تطْوير مهاراتي الدّفاعية مِن قبل , ولمْ تكُن عباءة المحامين تسْتهويني أبدا , فلم تكُن تلك المهْنة و ما أحاطَها من أقاويل و اتِّهامات تعني لي شَيئا , و لم يعْنيني التّحقق من صِحة ما يشاع حولها و لو لمرّة واحدة , و قدْ استمرّ هذا الحال حتى وجدّت نفسي مضطرّة للوقوف أمام ثلاثين قاضيا دفعةً واحدة , و من ثم الدّفاع عن مظلوم طالما نالتْه الاتِّهامات .
في صباح ذلك اليومِ الخريفيِّ الجَميل ,وقفتُ أمام نافِذة المطْبخ لأستمتع بتلك النّسمات الباردة , و أتنسَّم عِطر حبَّاتِ المطر الليليّة , بينما أنتظر ركوَة القهوةِ أن تعلن الغَليان , و كنتُ قد اتخذت قرارا بالخُروج مبكرةً عن موعدي لأنْعم بالمشْي في تلك الأجواءَ السّاحرة , فرائحةُ ما بعد المَطر , و الغيوم الجميلة التي تحمينا بحنانِها من لسعاتِ أشعّة الشّمس , و تلك النّسمات المنْعِشة الّساحرة .. كانت تغْريني و تدفَعني لشُرب قهوتي سَريعا, و التّوجّه نحو المدْرسة سيراً على الأقدام .
ووصلت مبكِّرة , فجَلستُ في غرفة المدرِّسين أستمتِع بدقائق من الهدوء و الرّاحة قبل أن تبدَأ الرّحلة الحُلوة المتْعِبة مع الصّغار , و دخَلت رانية خلْفي لتتوجَّه نحو دفْتر التَّوقيع لتُسجِّل اسمها فيهِ , و من ثم تُلقي بحَقيبتها على الأريكة و تجلِس بعصبيّة و تقول بِضيق :
- لا أحبُّ هذا الجوَّ الغائم .. لا أدري لمَ أشعُر معه بالضّيق و الاكتِئاب .
هالني ما وصَفت به رانية يومي الجَميل , فكيف لمْ تلمح حَنان الغيوم و عطرَ المطر و براعة النَّسمات , و ما الذي يدعوها للضّيق في هذا الجو السّاحر , ووجدتني أغوص في مقعدي ساهِمة حزينة , فقدْ كنت أدرك أن هذا الفصل الرَّائق في نظري.. متّهم في نظرِ الكثيرين .
وامتدَّت يدي نحو دفتر التَّحضير , و قمت بتسْجيل عنوان درسيَّ الجَديد , و كنت قد اتَّخذت قرارا بأن أطلب إلى التَّلاميذ رسم هذا الفصل في لوحاتهم طوال أسبوع كامل لعلي أحقق انجازا يذكر, و كتبت مرافعتي في كراسة التحضير خاصتي , و توجهت نحو الحصة , و بدأ الدرس .
كنت قد شعرت أن معطفي المصنوع من قماش الجوخ الأسود قد تحوّل إلى عباءة للمحامين , فطَلبت من تلامذتي أن يقدموا لي صوَر الخَريف الّتي يعرفون , وتأكَّدت لديّ الظُّنون , لقد انهالت الاتّهامات على فصلي الحبيب متَمَثْلة في أجوبتهم المحزِنة فقالوا بحماس :
- أشجار عارية .
- مطر .
- أولاد يذْهبون إلى مدارِسهم.
- حقولٌ جرداء.
- أوراق صفراء على الأرض .
و بدأت الدفاع عن هذا المظلوم يصاحبني ألمي الشّديد , و قد كانت مخيّلة قضاتي ممتلئة عن أخرها بصوَّر سوداء عن المتهم البريء , ووجدتني أحكي دفاعي بحبٍ و شفقة :
- فما كلُّ أشجارِ الخريف عاريَّة ,و من كان لا بدّ لها من فراق أوراقها كانت ترتدي في الخريف ثوبا بلون أصفر أو برتقالي أو أحمر جميل, فتُبهجُ قلوبنا بلوحاتِها النَّارية الرّائعة قبل الغياب , و من الأشجار من لا تفارقها الخضرة أبدا, بل تزداد جمالاً و بريقاً و انتعاشاً و تشعُّ بحبّات المطر .
و هل هناك ألذّ من فاكهة الخريف .. فالتّفاح بألوانهِ الثّلاثة.. الأخضر والأصفر و الأحمر البارع , و الرمان بأنواعه الثلاثة .. الحلو و الحامض و اللفَّان , و البرتقالُ و اليوسفيُّ و الليمونُ و الكبّاد و النّارنج و العِنَبُ الجَميل الأخَّاذ , وتجتمع في الخَريف خُضار الصّيف مع خُضار الشّتاء , و تتربّع جميعا في الأسْواق بدلال .
و الطّيور التي تزورنا في طريق السّفر فتسرُّ النَّاظرين بذاك الجَمال , و الغيماتُ النَّاصعات الحانيات , و النَّسمات المنعشةُ التي تطرد عنا كسل الحرِّ , و الدوام المدْرَسيّ الّذي ينسِينا مللَ الفراغ .
و أُرهقتُ دِفاعاً , و جَلسْت تاركة قُضاتي ليسجلوا على دفاتِرهم الأحكام .. و رأيتها مُتعجِّبة مَسرورة , فقد انسَكبت ألوان اللوحاتِ سحرا و دِفئا و بَهجة و جَمالا , و كان للمطرِ أيضا بعضُ الجَمال و للأشجارِ ذاك الجلالْ , و كانت أحكامُهم الرّائعة تقول بقوّة و ثِقة :
- رائِعٌ و ساحِرٌ أنتَ أيها الخَريف .
العمل الأهلي ..نتائج لا تقدر …

يزهد الكثيرون منا بالعمل الأهلي , ضاربين عرض الحائط بكل تلك الفوائد الرائعة التي يستطيع المجتمع أن يجنيها, فيما لو قدم كل فرد قادر عدة ساعات أسبوعية لصالح ذلك النوع من النشاط الجماعي بأوجهه المتعددة , بينما تجد هذا النوع من العمل يزدهر في الدول المتقدمة, و يحرص الكثير من سكان تلك البلاد على ممارسته, فتزدهر به بلادهم, و ينتفعون كأفراد بالفوائد العظيمة التي يجنيها من وهب للعمل التطوعي بعضا من وقته . في الحقيقة لم أكن لأفكر بهذا النوع من النشاط أو لأهتم به مطلقا قبل أن أقوم بالبحث عن مكان يجمعني و تلامذتي الموهوبين في مادة الرسم لإقامة ناد للنخبة , و قد كنت أشفق على مواهبهم الرائعة أن يلتهمها غبار الإهمال و النسيان عندما سيغادرون مدرستي إلى مدارس المرحلة الإعدادية , و قد فوجئت بالرسوم المالية العالية التي أراد أصحاب النوادي الخاصة فرضها على الصغار مقابل مكان يجتمعون فيه و يمارسون هوايتهم فقط لعدة ساعات أسبوعية, فكيف بهم و أنا أنوي تعليمهم برامج الحاسوب التي تلزم لكل رسام . ووجدتني أراسل إحدى الجمعيات الأهلية و أعرض عليهم رؤيتي لهذا النادي و طريقة العمل فيه, و قبلت تلك الجمعية بالفكرة و بتقديم قاعات الحواسيب الخاصة بهم لإتمام هذا العمل و تنمية تلك المواهب البارعة دون مقابل . و قد كنت ممتنة و سعيدة بأن أشرف على فكرتي و أرتب لها حتى النهاية رغم ما كنت أشعر به من انشغال كاد أن يطوي مواهب لا تقدر , فأنا أم لأربعة أولاد , و ربة منزل , و مدِّرسة تحتاج لبعض الراحة و إعادة ترتيب منزلها و نفسها في العطلة الصيفية , وقد التزمت بعقود لرسم قصص للأطفال لصالح بعض دور النشر , و روايتي التي أحلم بطباعتها ما تزال أمامي على المكتب , إلا أن مواهبهم لم تكن لتحيا من دون بعض التنازلات و التضحية ببضع ساعات في الأسبوع . قد يتساءل البعض : ما الذي يمكنني أن أجنيه من ممارستي للعمل الأهلي ؟ و ما الذي يحققه لي الانضمام لناد أو مؤسسة أهلية ؟ ألا يكفيني كل تلك الالتزامات التي تحتاجها الحياة للوفاء ببعض متطلباتها ؟ و لهذا نقول : تفرض الحياة على الإنسان نوعا من الأنانية التي يحتاجها ليصنع نجاحا و تفوقا و بعضا من الراحة المادية عندما يصرف وقته بشكل جيد نحو عمله أو دراسته و لا يقطع سيره بملهيات تبعده عن الهدف السامي الذي رسمه لنفسه و اختطه ليكون مستقبله رائعا , و لكننا نرى أن هذا الطريق يخفي بين أزقته أخطارا محدقة, فالإنسان الذي قطع روابطه الاجتماعية لتحقيق نجاح ما على الصعيد الشخصي فلم ينضم للنوادي الرياضية مثلا, و لم يحفل بالمؤسسات الأهلية, و لم يقدم التضحيات المناسبة للحصول على صداقات جديدة, أو للحفاظ على تلك القديمة, سوف يفقد اهتمامه و ميله تدريجيا للاختلاط مع غيره من البشر, و من ثم سيفقد قدراته للتواصل معهم و سيشعر مع الوقت بأنه قد فقد لياقته لمصاحبة الناس, و سيكرس وحدته أكثر فأكثر, و قد يؤدي به الطريق إلى بعض النتائج غير المرغوب فيها , و التي دلت عليها الخبرة الطبية و الاختبارات الشخصية, كالانطواء و التعاسة و الاضطراب العاطفي , و تكمن المشكلة عندما يستسلم الإنسان و يفقد الرغبة في اكتساب عادات و مهارات تؤهله للاستمتاع بالحياة الجماعية من جديد. و قد يعلم الجميع أن كل فرد منا يمتلك الكثير من الطاقات , يقوم الشخص الاجتماعي, و الذي يقدم التضحيات لخدمة غيره من البشر بتصريفها, و ربما الإسراف في تصريفها, فلا يتبق له الكثير من الطاقة للتفكير بمشكلاته و معاناته , و هو إلى هذا سيجد حوله الكثير من الصداقات و العلاقات الرائعة التي تكونت لديه من خلال عمله في المؤسسات الأهلية أو انضمامه لنوادي الرياضة والعمل الاجتماعي . على عكس الإنسان الأناني, و الذي يختزن طاقاته و يبقيها في داخله و يكرسها لنفسه فقط فتجدها تنخر في أعماقه و تؤدي به إلى الجحيم العاطفي, حيث لن يجد حوله من يتقاسم معه أنات روحه, و ربما تخرج تلك الطاقات بطريقة غير اعتيادية فتسلك به طريق الأطباء النفسيين . فكثير من الحالات التي تعج بها العيادات النفسية , قد تجد لها حلولا في العمل التطوعي. و الاهتمام بالبشر من حولنا و تقديم بعض التنازلات و الأوقات لخدمتهم و الاهتمام بمصالحهم . ففي الوقت الذي يقضيه الشخص المنعزل أو الأناني في التفكير بمشكلاته و تجاربه السابقة و يقوم بتحليل أصدقائه و ممارسة النقد لمن حوله و البحث عن أخطائهم , يقوم الإنسان الاجتماعي باكتساب الصداقات الجديدة و القيام بتجارب جديدة ناجحة و فاشلة أيضا, و أخطاء يتعلم منها و يرقى في المضمار الاجتماعي و هذه المهارات لا تكتسب إلا من خلال العمل الجماعي و التطوعي . و لست أقصد هنا العمل الخيري و الذي لا يتوانى أي منا على تقديمه و هو يتحقق ببعض التبرعات والهدايا للفقراء و ربما ببعض الزيارات لدور الأيتام و دور العجزة و إظهار بعض التعاطف و المواساة , و إنما أعني العمل الأهلي كتقديم الدورات التعليمية و الندوات و المحاضرات التنموية و التوعوية و القيام بنشاطات ترفع من سوية الفرد و المجتمع كل حسب مؤهلاته و مهاراته . هذا و إن اعتياد الطفل أيضا منذ صغره على ارتياد المجتمعات و دمجه في هذه المجالات من خلال أمور عدة أبرزها النشاطات التطوعية اللاصفّية مثلا في المدرسة و العمل الجماعي مع رفاقه في أمور قد لا تعود عليه بالنفع الشخصي و لكنها تنفع المجتمع المحيط كافة سيكون له أكبر الأثر في تعزيز ثقته بنفسه و زيادة القدرة لديه على اكتساب الصداقات و تعويده العمل و الصبر و بذل الجهد لا لأجل نفسه فقط بل لأجل إسعاد من حوله, وستبعده عن الركون للكسل و للعادات السيئة التي يفرضها علينا نظام الفردية و الفراغ الذي بات يسيطر على حياتنا في هذا الزمان , و بالتالي سيصرف الطفل طاقاته بشكل طبيعي و سيتجاوز أزمات الطفولة و المراهقة و ربما أزمات الشباب بسهولة , لأنه يستطيع أن يتعامل بمهارة مع المشكلات و لن يخشى العمل الشاق و لأن لديه الكثير من الصداقات الحميمة التي ستدعمه . و بهذا نعرف أي نفع و أي قيمة للعمل الجماعي قد تركناها مركونة في زوايا الهجر و غفلنا عنها و ربما كان بها حلولا للكثير مما يعترضنا من أمور, بل قد نجد فيها سعادتنا المفقودة .
تمتعي بطفولته …

تمتّعي بطفولتهِ
لا يخفى علينا نحن النّساء ، أن شوقنا لاحتضان طفل رضيع ، و تقبيله ، كفيلٌ بإقناعِنا بالإنجابِ من جديد .
و سرعان ما تمضي الأيّام ، و يكبر الرضيع ، و يتجدد الشوق ، و تكون مشكلة حقا لو تركنا الأمور لمشاعرنا فقط .
كان قرارا حاسما ذلك الذي اتخذته – بالتوقف عن الإنجاب – بعد أربعة من الأولاد ، فللأم العاملة ظروف قد لا تدركها ربات البيوت ،مثل ترك الأولاد في البيت مع الخدم ، أو إيداعهم عند الغرباء .
و كان لولادة أختاي في وقت متقارب وقعا خاصا في نفسي ، فكان طعم احتضان الصغيرين يفوق طعم القهوة البارعة التي نتناولها في زيارتنا معا لمنزل والدتي .
كنت أتحرى موعد تواجدهما في منزل الوالدة ، أو أذهب إلى بيت إحداهن خصيصا لإرواء أشواقي ووضع طفل رضيع بين ذراعي .
و لم يكن هذا حال الأمهات ، فقد كانت مقارنة الطفلين بعضهما ببعضٍ كفيلة بأن تفسد حال السّرور ، و المتعة الّتي تصاحب وجود الرّضيع في المنزل و سعادة والدته بتقبيله .
بدا لي أمرا طبيعيا أن تبرز أسنان أحدهما قبل الأخر ، أو ينطق بكلمة ما قبل قرينه ، و لعله يخطو أيضا أو يتعلم كيف يضبط نفسه ،و كنت أرى أثر المقارنة باديا في نظرات الأمهات القلقة .
تجاوز صغيريَّ العامين و نصف العام ، و ما زلت أهوى اجتماعنا لوجودهما ،
اكتملت أسنانهما معا ، و هما يتكلمان بطلاقة ، و يعبران بدقة عما يريدان التعبير عنه ، يسيران يركضان , و ربما يشاغبان , و يشاكسان .
كلاهما رائع ، مبهج .
فما نفع كل تلك الأحزان التي أصابت قلوب الأمهات ؟
و هل كان لها من داع ؟
أما كان من الأجمل أن تتمتّع كلّا منهما بطفولة ولدها بعيدا عن الآخرين ؟
ربما أجد الجواب عندكم ..؟
عبير النحاس
الكنز الضائع

الموهبة …. ذلك الكنز المفقود .
عَلَت ضحكات عبد العزيز – التلميذ ذو السنوات الثمانية – و راح يقفز فرحا و هو يراني أعلق لوحاته الست الرائعة على الحائط في غرفة الصف . كان جسده الناحل ينتفض سرورا و تغطي ابتسامته العذبة ملامح وجهه الضئيل, ثم بدا و كأن شخصا آخر قد حل محله , فقد راح يتنقل بين زملائه و يتحدث معهم بمرح , و بصوت مرتفع مما اضطرني إلى حبسه بجانبي لضمان مسير الدرس . لم أكن لأتخيل يوما أن يبدع طفل مثل عبد العزيز- ذلك الطفل الصامت المغمور – في الرسم , و هو الذي لم يبدع في مادة أخرى قط , و هو إلى هذا ابن لبستاني رقيق الحال , قد تعيّيه لقمة العيش فضلا عن مواد الرسم الغالية الثمن . و لكن قدرا جميلا من الله تعالى منح لهذا المبدع علبة من ألوان الباستل , و دفترا كبيرا للرسم , و مدرّسة – هي أنا – تقوم بتعليق لوحاته الرائعة على الحائط , ثم تقوم بتقديم امتياز كبير له قائلة : – سأكون أول من يبارك لك معرضك الأول يا عبد العزيز . كم من مثيل لتلميذي الموهوب في أمة المسلمين يا ترى ؟ و كم من مبدع تختفي بين جوانحه كنوزا من إبداعه ؟ و كم ينتظرنا كآباء أو مدرسين من تلك الكنوز لنكشف عنها التراب ؟ فنملأ بها أوقات أطفالنا فرحا , و نحصّن بها شبابهم الغالي , و نضيف بها حجرا نرصفه في طريق نهضة الأمّة , و ربما يكون حجر الأساس في تلك النهضة المنتظرة . عبير النحاس
صانعو المجد

صانعو المجد
كنت في الثانية عشر من عمري عندما قمت بوضع فكرة أول كتاب يحمل اسمي , و كان علي أن أبذل جهدا كبيرا في إخفاء مسودة الكتاب عن عيون أفراد أسرتي , و أن أعمل على انجازه بسرية تامة , فقد كان شعورا ما يراودني بأنني سأكون موضع سخريتهم و تندرهم .
و لكن نظرة ثاقبة من عيني أختي العزيزة أفشلت مشروعي السري حينها , إذ أن جزءا صغيرا من كراستي التي بدت لها من تحت المخدة أثارت لديها رغبتها في التحقيق و البحث عن الجرائم المحتملة .
و بدأت رحلة التهديد بكشف جريمتي أمام العائلة , و كانت نهايتها هو إتلاف الكراسة و انتهاء المشروع ثم إصابتي بالحزن و الآلام لفقده .
ما أزال أذكر كراستي , و لا أعرف سببا لخوفي من عرض أحلامي – في أن أصبح كاتبة - على أفراد الأسرة , و ما الذي جعلني أخمن أن الجميع سيسخرون مني أو سأتعرض للنقد القاتل .
مرت سنين طويلة قبل أن أسكب مداد الحياة في قلمي , و لكن الأهم الذي حصلت عليه من هذا الدرس هو ضرورة البحث عن مواهب الأطفال , و إعطاؤهم جرعة من التشجيع , و الثقة مع التعليم , و عدم الاكتفاء بالتشجيع وحده .
و اليوم و من خلال عملي كمعلمة , و من داخل منزل عائلتي , أجدني أجهد في البحث عن مواهب الأحبة في البيت و المدرسة لأقوم بسكب بعض رحيق التشجيع في قلوبهم , و ربطهم بأحلامهم , و ربما تقريبها لعل نبتة تبرز بارعة الحسن , و يكون لي مكان بين الزارعين .
فهل لك أن تبحث معي عن مواهب من حولك من أطفال الأمة , و أن تمدهم بكلمة تشجيع كأضعف الإيمان .
من يدري فربما نرى نور العلماء و الأدباء يسطع في أمتنا من جديد .
عبير النحاس
30 – 1 – 2009
في عيونهم أيضا …
في عيونهم أيضا
كانت رائحة العطور تتنافس لاحتلال أكبر مساحة من هواء الغرفة ،و كانت علب المساحيق و قطع الحليّ تتناثر على الطاولات ، الجميع منشغل باستكمال زينته استعدادا لحضور حفل العرس .
قطع صوتها المكلوم أحاديثهن الرقيقة
- لم أنت سمينة يا ماما ؟
قالتها ذات السنوات الخمس متألمة غاضبة ، ساد صمت مطبق قطعت حباله والدتها بتقطيب من جبينها ، و صرخة في وجه الصغيرة ,
لم تفارق صورتها و ألامها مخيلتي يومها ، كنت أفكر في حزنها و غضبها لأن والدتها لم تكن توازي الحاضرات جمالا و رشاقة .
أسئلة كثيرة بدأت تتوارد إلى مخيلتي بعد تلك الحادثة :
هل علينا نحن الأمهات أن نراعي عيون أولادنا أيضا ؟
ألا يكفينا الأزواج و إرهاقنا لأنفسنا من أجل تلميع صورتنا في عيونهم ؟
و هل يحتاج الطفل لجمال أمه و رشاقتها و أناقتها إضافة لحنانها و تفانيها في تربيته ؟
أذكر أنه في يوم من أيام طفولتي ، اشترت والدتي ثوبا لم أحبه ، فكنت أشعر بالامتعاض ، كلما رأيتها ترتدي ذلك الثوب
و أذكر تماما أنني لم أبارك لها قصّةَ شعرها ، حينما جعلته قصيرا جدا .
حاجة و ضرورة هي إذن ، أن تكون الأم جميلة أنيقة رشيقة في عيون أطفالها ، بل و من الهام جدا أن تنال إعجابهم أولا .
حينها سيشعر بالفخر أمام الناس لأنها أمه ، و ستمنحه مزيدا من الشعور بالثقة و السعادة ، و ربما زيادة في المحبة ، و قدرة على قبول النصح ، بالإضافة لأمور أخرى تكمّل شخصيتها .
منذ ذلك اليوم ، أصبحت ابنتي إحدى أهم مستشاراتي في رحلات التسوق ، كنت أحب تلك النشوة التي أراها على محياها حينما أشتري ما تختاره ، كان ذوقها جميلا حقا ، و ربما يكون هذا من أكثر الأمور التي بنت بيننا تلك الصداقة الرائعة .
عبير النحاس



