عبير النحاس

الكَوكَبُ الآخَر

دخَلت زينة غُرفة الَّصفِّ مبتسمة , وقف جميع الصِّغار احتراما لها كمَا اعتادوا , أشارت إليهم بيدها أن اجلسوا , و هي تَقول :
- استريحوا يا أولاد .
علَّقت حقيبتها على الكرسيِّ , و أبعدت وشاحها الصوفي الأبيض عن رقبتِها .. قامت بطيِّهِ ووضعَتْهُ على الطَّاولة مُسرعة لتَتَوجَّه نحوَ السبُّورة و تسجِّل التَّاريخِ و لِتَتْرك مكانَ موضوعِ الدَّرسِ – الذي ينتظِرُه الصِّغار- فارِغاً .
اسْتَدارت نحوَ العيونِ المُتلهِفَة , و ابتَسمت مجدَّدا لبَريقِها المُتَسائِل, و لمْ تَشَأ أنْ تُطيلَ انْتظارَها فقالت بصوتِها الهادِئ :
- كما خلقَنا الله بصورتِنا الجَميلةِ هذه على هذا الكوكبِ الَّذي نعرِفهُ جيداً و نحِبُّه كَثيراً أليسَ من الممكن أن يكونَ قد خلقَ غيرنا على كوكبٍ آخرٍ بعيدٍ لا نعرِفهُ ؟!
صَاح الجَميع :
- نعم مُمكن
ابتسمت و أكملت :
- جميل ٌجِداً , ألا يُمكنُ أنْ يكونَ لهذِه المخْلوقاتِ حَضاراتٌ و لغاتٌ و سياراتُ و أشجارٌ و بيوت ؟!
- نعم
- أليس من المُمكنِ أنْ نلتَقي بهم في يومٍ من الأيامِ و نزورُهُم و يزورُونَنَا ؟
ضَحِكَ الجَميع :
- نعم نعم
أشارتْ نحوَ سارِي :
- ألا يمكن أن يَعملِ سَاري طبيباً في مُستشفى من مُستشفياتِ ذلك الكَوكَب ؟
عَلَتْ ضَحِكاتِهم .
أشارتْ نحوَ أدهم صَاحِب اليدِ البلاستيكيَّة :
- و هل منَ الممكِن أن نتَلقى دعوة لحُضور حفلِ زفافِ أدهمَ فنجِد أنَّ نصفَ المدعوِّينَ قد حضروا مع العَروس منَ الكوكبِ الجَديد ؟
ضجَّ الأطفالُ بالضّحِك, و ابتَسم أدْهَم بِخَجل و هو يخفي يده الصِّناعية مجددا تحت طاوِلةِ مقعدهِ , سُرَّتْ بابْتِسامَتِه الأولى و أكمَلت قائِلة :
- فكيفَ تتخيَّلون شَكل الفَضَائيِّين ؟
أجابوا بمَرَح :
- لهم أربعَة عيون .
- خمسة .
- لهم ستة أرجل و ستَّة أذْرع .
- طوالٌ جِدا
- لهم قرون
أكملتْ :
- هذا رائع و كيفَ تتصوَّرونَ ألوانَهم ؟
علت صيحاتهم :
- لونُهم أخضر
- بل أحمر
- لا لا أزرق
بدأَت ترى لوحاتٍ جميلةٍ تلوحُ أمامَها :
- فكيف سيكون شَكل بيوتِهم ؟
قفز سامر قائلا :
- بيوتهم لها أجنحة
- بيوتهم مثل الصواريخ
- يبنونها على أعمدة ملوُّنة
أشارت بيديها ليجلسوا جميعا :
- فهل تختلف تربه كوكبهم عن تربة كوكبنا ؟
و جاءت الإجابات بسرعة :
- تربتهم حمراء
- برتقالية
- زرقاء
عادت نحو السبُّورة لتكتبَ عِنوانا لدرسِها ( الكوكبُ الآخر ) ثم لتعودَ أدراجَها و تقفَ قبالتَهم قائِلة :
- كلُّ ما ذَكرتُموه كانَ رائِعاً , هيَّا لترسُموا لنا هذا الكوكَب الجَديد .
شُغِفَ الجَميعُ برسْمِ لوحاتِهم , و اقتربَ أدهمُ مِنها حامِلاً عُلبة ألوانِه بيدهِ اليُمنى , و قد ثبَّتَ دفتَره على صدرِه بتِلك اليد الصَّلبة , ابتسمت لاقترابه , نظر نحوها مستأذنا بالرسم على طاولتِها , أبعَدت وشاحها عن المَكان , وضعَ العُلبة أولا ثمَّ سحَب الدَّفْترَ و قامَ بفَتحِهِ و بدأ بالرَسم , تركتهُ مطمئنة لتقوم بجولة بين المقاعِد و ترى انطلاقَة الخيالِ الجامِح في لوحاتِهم , اقتربتْ من أدهمَ بعدها لتمسَح على رأسهِ و هي تُتابعُ ما يرسُمه بيدهِ الصَّغيرة , رأتْ رجُلا صَغيراً أخضر اللَّونِ له أربعةُ عيونٍ و رجلان و يدٌ واحدةٌ , نظَرَ إليها أدْهم و قد فَهِم سرَّ صمتِها المُتَسائِل و قال مبتَسما :
- السُّكَّان على هذا الكَوكَبِ يمتلكونَ يداً واحدة .

مَدْرَسَةُ زَوجي

عبير النحاس

بدأت تلك القصَّة عندما قُمت بقراءة السيرة النبوية الشريفة , و لم تكن طريقَتي في القراءة عاديَّة بالطَبع , فقد كنت أقوم بجمع تلك القِصص التي حدثت بين النَّبي( صلى الله عليه و سلم )و زوجاتِه (رضي الله عنهن جميعا) , و التي تُشير بوضوحٍ إلى جميل ما كان يحدُث , و إلى تلك العلاقات الرائعة التي تربط بين أفراد تلك العائلة السعيدة , و كنت أُضيف إليها بالطبع قصص زوجاتِ الصحابةِ الكرام , و طريقتُهنَّ في إدارة حياتِهن , و قد وجدت الكثير من حقوقي التي كان المجتمع و العُرف قد غيَّبها عني , و لكن بالتأكيد كان هناك من يستغرب و يتعجَّب من تلك القصص حينما أرويها .

فمنذ مدَّة خطر لزوجي أن يقومَ بفتحِ باب السيارة قبل صعودي كنوعٍ من أنواع ِ المعاملةِ الحسنة ومن الودِّ و التقدير , و كان وقتها سعيداً جدا لسببٍ ما و هو الأمرُ الذي دفعهُ لأن يتصرَّف بهذا الشكل الغريب و الجديد بآن معاً , و لا أُخفيكم فقد سررت كثيراً وقتها و ابتهجتُ للفكرة , ولكن لم تكد تمضي بضع دقائق من مشوارنا حتى بدأ بمحاولة استرداد ثمن فعله اللطيف بأوامر لا تنتهي , و بدأ يذكِّرني بأنه فتح الباب خاصَّتي , فقلت معلِّقة :

- ما فعلت بعد شيئا يا عزيزي , فقد وضع النبي الكريم ( صلى الله عليه و سلم) ركبته الشريفة على الأرض لتدوس إحدى زوجاته على رجله و تصعد نحو الناقة , و وقف طويلا عندما كانت السيدة عائشة تستند على كتفه لتتفرج على الحبشة و هم يلعبون , و قد سابقها و هو عائد متعب من معركةٍ و سفرٍ طويلٍ ليسعدها فقط , و أرسل جيشا بكامله للبحث عن عقدها , و لكنه لم يمنَّ بجميل أعماله كما يمنُّ بعض الأزواج .

صمتَ زوجي مُخفيا ابتسامتَهُ , ووجدته في المساءِ يبحث في الشبكةِ العنكبوتية ِعن سيرةِ النبي الكريم (صلى الله عليه و سلم) مع نساءهِ .

و حدثَ أن خاصمتهُ يوما لإهماله طلباتي , و كنت قد ألحَحْت عليه بها مدَّة , فما كان منه إلا أن راحَ يذكِّرني بعقوبةِ من تؤذي زوجها و تخاصِمُه و تهجره فقلت بثقة :

ما زِدت على ما فعلتْهُ نساء النبي (صلى الله عليه و سلم) في بعض الأحيان , و ما فعلَته السيدة عائشة و قد خاصمته يوما ثم قبِلت بوالدِها حكماً بينهُما , و كان بأبي هوَ و أمّي أحنَّ عليها من أَبيها ( رضي الله عنه ) حتى عِند الخِصام . و قد فعلَتها زوجة الخطَّاب بل و رفعَت عليه صوتَها فاحتَملها ( رضي الله عنه ) بحبٍّ و قناعَة .

و صبَر تلميذُ مدرسةِ النبوَّة يومَها حتى طابَ خاطري و قبِلت العُذر .

و دخَل مرَّة غاضِبا عندما وجد قميصاً يحتاجُه غيرَ مَكوي , و هذا يعني في عُرفِ عائلتِه و عائلَتي إهمالاً عظيماً في حقِّ الزوجِ لا يُغتفر و قد كان ردي وقتها:

- و ما المانِع من أن تكويه بنفسِك يا عزيزي , فقد كان النبي (صلى الله عليه و سلم) يرفُو ثوبَه , و يخصِف نَعْله , و يحلِب شاتَه , و يكنس بيتَهُ , و كان في مِهنة أهله .

و لم يقم زوجي بكيِّ القميص بالطبع, و لكنه كان ممتنا جدا لأنني خلَّصته من تلك المهمة , و قدَّمت له تلك المَعلومة .

اقتنع زوجي بكل ما أخبرته به , و مع هذا فما زال يرى أنَّ تطبيق قصص السيرة النبوية الشريفة يجعلنا مدللات أكثر من اللازم , أما عن أزواجكن فأرى أنَّ عليكنَّ أن تحكينَ قصص السيرة لهم بطريقة أو بأُخرى .. ليكونوا تلاميذَ نُجباء في هذه المدرسَة الراقية, فتسعدن و أنال كريم دعواتكن.

 

قصة قصيرة

مما نشرته في موقع رسالة الإسلام

 طال بحث ساري باهتمام بين الملابس الكثيرة المعلقة على الحوامل المعدنية الملونة في المتجر الكبير , كانت عيناه تتجوَّلان بحثا عن شيء ما داخل المحل لم تعرفه والدته و لم تفهمه , كان يقرأ البطاقات الملصقة على الملابس بدقة ثم يغادر نحو حامل آخر للملابس , و غلب الفضول والدته أخيرا , فسألته و هي تحمل كومة من الملابس :

- هل تعجبك هذه السترة يا ساري ؟

أجاب دون ابتسام :

 - نعم

سألت مجددا :

- هل أشتري لك هذا البنطال أم هذا ؟

أجاب دون اكتراث :

- هذا .

 قطبت جبينها مستغربة و هي تسأل :

 - هل هناك ما يزعجك يا صغيري ؟

- لا

- هل تريد شيئا آخر ؟

- أريد قميصا .

 ضحكت الأم من بساطة الطلب و غرابته , فلم تكن تتوقع من ابنها أن يهتم لشراء قميص يوما , و قد كانت نظراته و بحثه الغريب قد أدهشتها و أخافتها أيضا .

 أخرجت له قميصا سماويا من أحد الحوامل و قرَّبته منه بابتسامة و هي تقول :

- هل يعجبك هذا القميص .. سيكون رائعا مع بنطال الجينز الأزرق الجديد ؟

أمسكه بحزن :

 - و لكنها( بلوزة) و ليست قميصا ؟

ضحكت مجددا :

- نعم نعم يا صغيري يقولون عنها بلوزة و يقولون عنها قميصا أيضا .

 بحث عن البطاقة و قرأ ما كتب عليها و هو يتهجى ببطء :

 - ق ..قم ..قمي…قميص

ابتسم ابتسامة كبيرة و اقترب يقبل وجنة والدته و هو يقول :

- نعم هذا قميص ..هيا لنذهب .

- انتظر يا حبيبي ما زلت أبحث لك عن بعض الأشياء .

 انصاع ساري لرغبة والدته و سار معها و هو يمسك قميصه رافضا وضعه بين بقية الأشياء , و قد تخلى بعد الحصول عليه عن بحثه وعن قراءته للبطاقات , ثم وافق على كل ما اختارته له من ملابس و أحذية, و قد تناول القميص مباشرة بعد إدخال ثمنه في قائمتهم , فابتسم البائع ودهشت عندما رفض أن يجعله في الحقيبة الورقية الكبيرة التي قدمها لهم البائع . خرجا معا من المتجر ففتحت له أمه الحقيبة الورقية مجددا و هي تقول بحزم :

- ضع القميص هنا فليس من اللائق أن تحمله في الطريق هكذا دون حقيبة .

استجاب ساري ووضعه بحزن ثم سار بجانبها و عيناه ترمقان ما ابتعد عنه مضطرا, و قد غابت عن وجهه تلك الابتسامة التي رسمها لقاؤه بقميصه السماوي الجميل .

 بعد مدة بدأ الندم يتسرب مسرعا نحو قلب الأم و قد رأت تلك الاستجابة الهادئة الحزينة ,و رأت طفلها يسير بجانبها ساهما مطرقا و عيناه لا تفارق الحقيبة الورقية التي تحملها فقالت معتذرة :

 - لا تحزن يا حبيبي .. ستأخذ قميصك حال وصولنا إلى المنزل و لن يأخذه منك أحد بعدها .

 - أريد أن أخذه معي إلى المدرسة يا أمي .

 نظرت الأم نحو طفلها باستغراب و سألته :

- هل تعني أنك تريد ارتداءه بدلا من ملابس المدرسة ؟

- لا سأضعه في الحقيبة .

 - لماذا ؟

 - أريد أن ألقيه على وجه عامر ليعود له بصره ..لقد أخبرنا المعلم أن أولاد النبي يعقوب عليه السلام ألقوا على وجهه قميصا فعاد له بصره و عامر صديقي مسكين أيضا لا يرى الأشياء و قد تعثر البارحة و شج رأسه وقد بكى و بكيت معه كثيرا .

 تركت الأم يد ساري فنظر نحوها ليجدها تمسح دمعتها هي الأخرى .

علَّمَني خاتم الزفاف
عبير النحاس

مما نشرته في موقع رسالة الإسلام

http://www.womanmessage.com/articles.aspx?cid=3&acid=204&aid=15786

لم يكن هناك بُدٌّ من استبدال محبس زفافي الذهبي بآخر بعد أنَّ باتت موضة الذهب الأصفر من الموضات القديمة نسبيَّاً، ورغم أنَّ بعض الواجهات ما تزال تعرض أشكالاً جميلة من المحابس ذات اللون الأصفر الجميل للسيدات اللواتي يمتلكن أذواقاً كلاسيكية, ولكنَّ الجميع من حولي قمن باستبدال محابسهنَّ بأخرى من الذهب الأبيض، أو الأبيض المطعَّم بالأصفر؛ فكان لا بدَّ لي من هجر خاتمي العزيز، واستبداله؛ كي لا أتخلَّف عن رَكْبِ السيدات الأنيقات في المجتمع من حولي.

شعرت بحزن عميق عندما قمت بخلعه لأجعله في علبة الموزاييك كتذكار جميل فقط، فقد كانت لنا أيام.. بل سنوات من رفقة جميلة كان فيها صديقَ أيامي الجميلة والحزينة معاً، ورفيقَ الدرب وشريكَ الذكريات.
لاحت منه نظراتُ عتابٍ قاسيةٍ وهو يغيب في ظلمة العلبة المزيَّنة بقِطَعِ الأصداف, فأودعته واستودعته، وسطَّرت حروفي هنا أنثر بها بعضاً مما تعلمته معه في سنوات الزواج:

- علَّمني خاتمي أنَّ الحبَ بين الأزواج يختلف تماماً عمَّا تحكيه لنا القصص، أو ترسمه لنا حروف الأغنيات, وأنه هنا يظهر في الود والعطف والرحمة والحنان، وتحكيه لنا مشاعر خوف الفقد، أو الفرح عند الفرح، والحزن عند ظهور الحزن على محيَّا الشريك، وهو بالتأكيد أكثر هدوءاً واتزاناً واستقراراً من تلك المشاعر التي تعصِفُ بالنفوس ولا تصل بها إلى برِّ الأمان.

- وعلَّمني أنَّ حلَّ المشكلات التي لم تغادر المنزل قط هي أسهل بكثيرٍ من تلك التي غادرته وأفلتت من بين أيدينا زمامها.

- وعلَّمني أنَّ احترام أهل الزوج، ومعاملتهم بود وبقليل من التحفُّظ اللطيف يبني بيننا أسواراً جميلة من ورد وود.

- وعلَّمني أنَّ الانسحاب في لحظات غضب الزوج هو أفضل قرار.

- وعلَّمني أنَّ وجودي بجانبه عند هجوم الأزمات ووجوده بجانبي يجعل من العملاق الغريب قزماً.

- وعلَّمني أنَّ صحتي وراحة بالي هي أهمُّ أركان البيت، وأنَّني يجب ألَّا أبخل عليها بوقتي ومالي.

- وعلَّمني أنَّ أناقتي وجمالي هي ثروة تُجدِّد الودَّ وتنثر المحبَّة وتشيع أجواءَ رائعة في المنزل.

- وعلَّمني أنَّ اهتمامي بالبيت والزوج والأولاد لا يعني أن أنسى اهتمامي بأهدافي ونجاحي ومستقبلي الشخصي، بل على العكس سيكون مدعاة فخر للأسرة بكاملها.

- وعلَّمني أنَّ التضحية بالوقت والجهد والمال هي من يجعل البيت من أجمل الحصون على الإطلاق.

- وعلَّمني أنَّ الصداقة بين الأزواج هي أهمَّ وأفضل وأكثر الصداقات جمالاً وحُسناً.

- وعلَّمني أنَّ الصلح بعد الخصام أمرٌ غايةٌ في الجمال، فما عدْتُ أخشى أيام الهجر والخصام.

- وعلَّمني أنَّ الصبر مفتاح الفرج، وأنَّ الرحمة لا بُدَّ ترافق الابتلاء.

- وعلَّمني أنَّ الزواج عبادة، وأنَّ أجمل ما في العبادة: أن تكون خالصة لله، وأنَّ طاعة الله وحُسن عبادته هي سرُّ السعادة الزوجية، وأنَّ القرب من باب الرحمن هو سرُّ كلِّ سعادة وهناء.

عبير النحاس

   

 

لم تر سارة من وجهها عندما وقفت أمام المرآة سوى تلك الحبة المزعجة , وقد شعرت  بالكثير من الغيظ  لأن الزائرة التي لا تعرف الاستئذان أبدا تربعت هذه المرة في منتصف جبينها الجميل, و لم يكن هناك طريقة  لإخفائها عن العيون المتطفلة .

 

 راحت ترفع حاجبيها ثم تعيدهما و تتلمس تلك الحبة بيدها و تضغط عليها بقوة , و لكن لا أمل فقد كانت متأكدة أنها لن تغادر قبل أسبوع كامل .

 

كانت سارة مضطرة للذهاب  لزيارة صديقتها زينة هذا اليوم , و كانت شديدة الحرص  على أناقة مظهرها و جمال شكلها أمام صديقاتها , فقد كانت تقضي الساعات حزنا على شعرة سقطت من رموش عينيها , و تلزم المنزل لأيام بانتظار أن تغادر وجهها حبة كهذه الحبة التي زارتها اليوم , و تقوم بإحصاء الشعرات العالقة بالفرشاة بشكل يومي , و تكاد تقيم مجلس عزاء لو ارتدت إحدى صديقاتها أو قريباتها ملابس تشبه ما تملكه , وكانت ترفض بشدة  مساعدة والدتها في تقشير حبات الثوم لأن رائحتها ستبقى عالقة بيديها لفترة طويلة , و من ثم تسرع نحو علبة (الكريم المطري) كلما غسلت بعض الأطباق .

 

و لكنّ هذه الحبة العنيدة و التي تقبع في مكان واضح جدا من وجهها كانت مقلقة , ولم يكن في وسعها أن تعتذر عن تلبية دعوة زينة لها , و لم تكن بالقادرة على تأجيل موعد الزيارة في هذا اليوم , و قد استعّدت زينة  و الأخريات , و من المؤكد أنها أعدت أطباق الضّيافة التي تصْنعها بنفسها كما في كل مرة .

 

ارتدت ملابسها بتثاقل شديد, و هي ترى غمز أعينهن و سخريتهن من وجهها, و تستمع لقصتها على لسان جميع سكان المدينة , و تشعر بالسكينة تفارقها لسنوات , بينما تؤرقها ذكريات تلك الحبّة أياما طويلة .

 

رن جرس الباب .. تسارعت دقات قلبها و هي تسمع صوت والدتها  :

 

-         أسرعي يا سارة , ريم هنا . 

 

حملت حقيبتها مسرعة و توجهت خارج الغرفة :

 

-         قادمة يا أمي  

 

اقتربت من الباب , ابتسمت لها ريم و صافحتها و طبعت على جبينها قبلات ودودة , ثم استدارت نحو الباب لتخرج قائلة :

 

-         وداعا يا خالتي …هيا  أسرعي يا سارة سنتأخر و تفوتنا أطباق زينة الشهية . 

 

رفعت سارة حاجبيها دهشة و قد رأت ريم غير مكترثة بتلك الحبة الملتصقة بجبينها ,  ثم سارت بقربها تستمع لحديثها المرح دون أن تقْدر على الابتسام , لاحظت ريم شرودها فسألتها :

 

-         ما بك يا سارة ؟ 

 

-         لا شيء . 

 

-         و لكنك حزينة يا عزيزتي. 

 

-         إنها حبّتي يا ريم . 

 

نظرت ريم بدهشة نحو وجه سارة : 

 

-         أي ّحبة ؟ 

 

أشارت إليها :

 

-         إنها هنا  

 

نظرت ريم ثم ابتسمت قائلة :

 

-         إنها حمراء و جميلة  

 

-         هل تسخرين مني يا ريم  

 

-         لا يا عزيزتي و لكنها  تبدو جميلة  حقا و هي ما تزال حمراء ,  لو رأيت تلك الحبة التي زارتني أخيرا  لقد كانت  بلون أبيض مقزز ,  و لكن لم الحزن و كلنا نتعرض في هذه السن لمثل هذه الزيارات المزعجة ؟ 

 

نظرت سارة مستغربة , فأكملت ريم :

 

-         اسمعي .. حاولي نسيان أمر الحبة , و لا تفكري فيها ..و سترين أن الجميع لن يلحظنها كذلك . 

 

تلمست سارة جبينها فأمسكت ريم يدها و أبعدتها برفق

 

-         هيا جربي دعيها عنك يا سارة . 

 

-          سأحاول . 

 

وصلت الصديقتان إلى منزل زينة , وقرعت ريم الباب , فتحت زينة  الباب و استقبلتهنّ بابتسامتها الجميلة  المعهودة , و صافحت أيديهن بمحبة , ابتسمت سارة و هي ترى صديقاتها جالسات بمرح و جلست بينهن تستمع و تحكي لهن أخبارها الممتعة , و نسيت أمر الحبة دون أن تتعمد نسيانها , و بعد تناول الحلوى اللذيذة التي صنعتها زينة  و العصير الرائع اللذيذ  , قرّرت ريم و سارة  المغادرة , فودعتا الصديقات و غادرتا منزل زينة .

 

 في الطريق ابتسمت سارة و نظرت نحو ريم قائلة :

 

-         أشكرك يا ريم , لقد كانت نصيحتك رائعة حقا . 

 

أجابت ريم مبتسمة

 

-         و لكنني ما زلت أقول أن تلك الحبة  الحمراء جميلة . 

 

ضحكت الصديقتان  و أكملتا سيرهما بسعادة , و في المنزل وقفت سارة بشجاعة أمام تلك المرآة و ابتسمت للحبة  ابتسامة كبيرة جدا .

 

 

 

 

 

يُدرِك الكثير منّا أنّ الصّفات التي يكتسِبها المرء من والديه تكون غالبا بالقدوة , و أنّه لا أثرَ يُذكر لأيٍّ من المحاضرات المطوّلة التي يلقيها الأب  أو الأم على مسامع أولادهم المراهقين عندما يشعران  أنهما بحاجة للحديث عن مآثرهما  نه, فإن القدوة قد سبقتهما إليهم و لا مجال لتغيّير يُذكر . 

و إن الشجاعة هي صفة مكتسبة,  و لم تكن يوما لتجنيها من كتاب أو مقال أو أي شيء آخر سوى رؤية الشجعان و مصاحبتهم . 

و قد كنت أعلم أنني سأجد نفسي في موقف صعب لا محالة لخوفي المرَضي من الحشرات جميعا , و كان جلّ  ما يسيطر على مشاعري هو طريقة تجاوزي لتلك المحنة , فقد كنت أخاف بشدة من الحشرات الكبيرة التي تجدها في مواجهتك فجأة دون سابق إنذار , و كنت أتخيّل أن نحلة ما ستنقضّ لتَغرِس إبرتها في جسدي بمجرد أن تراني أمامها , أو أن صرصارا كبيرا  يحرك قرونه سيداهم وجهي دون هوادة , و كنت طوال الفترة الماضية أستعين بزوجي, وكنت أعتمد على والدي أو أخي الأصغر لإنقاذي من هؤلاء الأشرار قبل زواجي . 

و لكنّ الأمر اليوم بدا مختلفا , فقد كنت وحدي و طفلي الذي يبلغ الخامسة في المطبخ عندما لوح لنا بقرنيه , و كان لا بد من الثبات , فقد كان هناك من يستعدّ لتلقي أكبر درس في حياته  و كان لا بد لي من أن أتسلّح بأكبر حذاء في المنزل- و هو حذاء زوجي – و من ثم أهوي به على العدو دون هوادة فأرديه بضربة واحدة بعد أن حشدت في ذهني كل نظريات البرمجة اللغوية العصبية و رددت على مسامعي جميع عبارات الدعم ( تستطيعين فعلها .. نعم من أجله ستستطيعين ) و تنفست بعمق و لم أتنبه لمشاعر ولدي وقتها  فقد كنت أريد أن أعلمه ما لم أتعلمه أنا في صغري .  

و رغم أن طفلي لم ُيثن على شجاعتي وقتها , و لكنني سمعتُه يحدّث والده عن الأمر و أنا أعدّ  طعام العشاء , 

و رفع زوجي حاجبيه مع ابتسامة متسائلة عندما دخلت, فابتسمت مشيرة إلى الصغير وقلت: (فعلتها من أجله ) 

و قد رأيت النتائج بعدها و سُررت بها , فقد أصبحت أنادي طفلي في كل المواقف التي تلت ذلك الموقف , و كنت أرى شجاعة موقفي في أفعاله رغم أنني كنت  وقتها أتظاهر  بالشجاعة  ولكنّه لم يعرف و لم يكن ذلك مهما . 

لقد علّمت طفلي الشجاعة دون أن أمتلكها , و سأعلّمه الكثير من العادات الحسنة عندما أقوم بمحوها من قائمة عاداتي , فهو يستحق أن أتغيّر و لو تظاهرت بالتغيّر بداية الأمر .