لم أكن مضطرة لارتداء قطعة كبيرة من الحلي الذهبية أو الإكسسوارات المقلَّدة وأنا أستعد للذهاب إلى منزل صديقة طفولتي (غالية), قمت فقط بارتداء (جاكيت) من الكتان البني بقصَّة كلاسيكية, و(تنورة) بقصة مستقيمة, واكتفيت بقرط صغير, ولم يكن هناك داع لحمل أيٍّ من الحقائب التي تَظهر ماركة صانِعها عليها, فقد كانت عينا غالية تستطيعان تمييز كل ما هو ثمين دون أن ترى ذلك الشعار الصارخ.

في محل بيع الزهور انتَقيت بعض زهرات البنفسج, وطلبت نوعاً من الزهور الصغيرة ذات اللون الأصفر معها, واخترتُ شريطاً من الساتان البنفسجي لضم الباقة الملفوفة بقطعة من القنب الطبيعي الجميل, وحملت معي زجاجة من عطر(غالية) المفضَّل, ولم أجرؤ على شراء أي من أنواع الشوكولاته التي تعشقها, فسبب زيارتي هو خروجها من المستشفى بعد إصابتها بنوبة قلبية مفاجئة, وقد خشيت أن يكون الدسم والسكر من الأكلات المضرة لها.

في الطريق ابتسمتُ وأنا أتذكر آخر لقاء جمعني بها، وكنت قد اخترت –كعادتي- قطعة من الشوكولاته المستطيلة, وبعد تناولها قمت بطي ورقة السولوفان التي غُلِّفت بها, ومن ثم وضعتها في صحن الكريستال الموضوع على (الترابيزة) الموجودة أمامي، فلاحظتُ ابتسامتها ذات المغزى, ولاحَظَتْ تساؤلي.. فقالت:

“كما أنت دائما, تتهربين من المواجهة وتفضلين التكيُّف, وتمتلكين الكثير من الرومانسية وبعض الأفكار المنظمة”.

ضحكت كثيرا يومها, واعترضت على قولها بأنني أتهرب من المواجهة, وأخبرتها أنني فقط أمتلك بعض الصبر, وعندما ينفذ لا أجد ُبدَّاً من المواجهة، ومهما كانت النتائج, فوافقتْ بعد أن ذكَّرتها بعدَّة مواقف كانت قد شَهِدتها بنفسها.

كنت أعرف ولعها بالشوكولاته, وتناولها المفرط لكل المنتجات التي تتعلق بها, فقد كانت تفاجئ الجميع في المدرسة بكعكاتها المغطاة بالشوكولاته السائلة التي تجلبها لنا لنتناولها سراً قبل مجيء المدرِّسة, ثم تقوم بتقطيعها بنفسها, وتخصُّني بقطعة كبيرة في كل مرة, وكنت أرد لها الجميل وأخصُّها بأكبر قطعة(بيتزا) أقوم بصنعها وجلبها معي إلى المدرسة عندما يحين دَوري.

وكانت تدافع عن محبوبتها تلك, وتعتبر أن بشرتها الصافية أكبر دليل على براءة الشوكولاته من التسبب بظهور حب الشباب, وطالما استمتعت بتلك القصص اللذيذة التي كانت تحكيها لنا عن تاريخ تلك الأكلة منذ أن اعتبرها (الأزتيك والمايا) طعاما للآلهة, ومن ثم إهمال كولومبس لتلك الحبات التي أهداه إياها إمبراطور (الأزتيك), واهتمام ( هيرنان كوريتس) بها وحملها نحو إسبانية بعد سبعة عشر عاما, وحصوله على لقب مكتشف الذهب البني.

وقد نصحتني عندما كنت حاملا بطفلي الأول بتناول الكثير منها ليخرج طفلي إلى الحياة مرحا وهادئا كما هو طفلها، ففعلت وكان طفلي كطفلها تماما.

وفي ذلك اليوم الذي هاتفتْني فيه لتشكو لي تغيُّر زوجها معها, وذهبت مسرعة يسبقني خوفي عليها, ووجدتها جالسة على أريكتها البنية وقد احتضنت طبقا من الشوكولاتة المحشوة بالقهوة, وراحت تتناوله وهي دامعة, وأخبرتني أنها تحاول رفع معنوياتها المحطمة.

وقدمت لي بعض الحبات الداكنة المُرَّة -عندما كنا نمارس رياضة المشي الصباحي معا بعد ولادتنا بزمن متقارب- حرصا على (الريجيم) الجماعي الذي اتفقنا عليه, ودعما لتلك الشراكة.

واختارت قناع الشوكولاته عندما قمنا بزيارة صالون التجميل لعمل علاج لبشرتنا, واخترت لنفسي –وقتها- قناع الفاكهة, وبدأت جلسة التقشير والتنظيف بثقة, ثم ظهرت بشرتها صافية تماما, وأذكر يومها أنني قررت عمل ذلك القناع في المنزل, فأخبرتني أن علي إذابة قطعة كبيرة من الشوكولاته في حمام مائي ثم إضافة بعض الحليب وملعقة من الملح الخشن, ففعلت وكانت النتائج مرضية جدا, ولكن رائحة القناع لم تغادر وجهي ليومين بعدها.

وفي حفل يخصني حصلت منها على مستحضرات غالية لترطيب وتغذية البشرة بزبدة الكاكاو وبعض عناصر الشوكولاته.

دخلتُ غرفتها أخيرا، وقبَّلتها بعد أن أبديتُ إعجابي بثوبها المُترف والمزين (بالدانتيل) المطرز, وبتسريحتها الجميلة, ولم أنطق بشأن تلك الصفرة التي علت وجهها وصدمتني بشدة.

واستكمالا لرونقها قمت بفتح زجاجة العطر, ونثرت رذاذه على رقبتها وأنا أقاوم دمعة كادت تفضح خوفي عليها, ووضعت زهراتي على (الكومودينة) بجانبها, وابتسمت ابتسامة فهِمَتْها عندما رأيت طبقا من الشوكولاته عليها, فقالت وهي تناولني مجلة ملونة: “لقد أكدت دراسة أجراها أطباء في ألمانيا أن الشوكولاته مفيدة للقلب”.

تلميذة الرومان

10 يوليو 2010

تلميذة الرومان

10 يوليو 2010

 

 

 

 

 

 

لم يكن خبر غياب( هدى) مدرِّسة الصف الثاني الابتدائي أسعد خبر تلقيته في هذا اليوم, فغيابها يعني أن تطلب المديرة مني الدخول إلى صفها لأقوم بإشغال الأولاد بدلا منها.

كنت قد وصلت إلى المدرسة قبل حصة كاملة من موعد بداية حصصي، ولم أكن متلهفة للخروج من المنزل والتوجه نحو المدرسة بالتأكيد, ولكنني آثرت القدوم مع زوجي في سيارتنا أثناء توصيله للأولاد قبل ساعة كاملة بدلا من المشي الصباحي, أو الوقوف طويلا بانتظار سيارة أجرة.

لم أفكر في رفض طلب المديرة، فقد كانت تستحق أن نؤدي لها خدمات كثيرة ولو على حساب راحتنا, فهي صاحبة خلق رفيع وطبع نبيل حسن, وقد أشاعت في المدرسة جوا ساحرا من الأُلفة بفضل معدنها الأصيل, ولم تكن ترفض لنا طلبا، بل وتبذل ما في وسعها لحل مشكلاتنا ومشكلات الأولاد وأسرهم, وكان الكثير من الفقراء يأتون إلى المدرسة لطلب مساعدتها وخدماتها ولم تكن تضن بها, فحملت حقيبتي وتوجهت بتثاقل نحو الصف، فقد كنت أرغب البقاء في الإدارة وتناول فنجان قهوة ساخن.

نقرتان على الباب كانتا كفيلتين بإنهاء حالة الفوضى وإخماد الأصوات العالية, وبدا الصف لوهلة هادئا بعد أن عاد التلاميذ إلى أماكنهم ووقفوا احتراما للمدرِّسة القادمة كما علموهم أن يفعلوا.

لم أكن أدرس الرسم في هذا الصف رغم تدريسي لأغلب الصفوف في المدرسة، وقد فسر لي هذا سبب تلك النظرات الفضولية المتسائلة, أشرت إليهم أن يجلسوا فقلت مبتسمة:

- استريحوا يا أولاد.

جلس الجميع بصمت كنت أدرك أنه لن يطول إذا لم أسارع بعمل أشغلهم به, وكان قد خطر لي أن أطلب منهم كتابة شيء ما لعلمي المسبق بأن أيا منهم لا يحمل دفتر رسم أو علبة تلوين أمارس من خلالها اختصاصي, فاتخذت قرارا بأن أطلب منهم أن يكتبوا جداول الضرب مع عمل مسابقة للسرعة بينهم, ومن ثم يتبادل كل طالبين أوراقهما, ويقوم كل منهما بتصحيح أوراق الآخر بقلم أحمر ليشعروا بالمتعة وبأنهم يقومون بأعمال المعلمة التي يتمنونها، فسألتهم:

- ما هي جداول الضرب التي تعلمتموها؟

فقامت تلميذة ذات شعر له لون البرتقال الجميل وقد بدت على وجهها حبات النمش الحلوة والتي لم تخف ملامحها الجميلة ونباهتها الواضحة فقالت:

- تعلمنا الجداول من واحد إلى خمسة وتعلمنا جدول العشرة.

- ممتاز شكرا يا حلوة, هيا أخرجوا دفاتر المسودة واكتبوا فيها الجداول بخط واضح مرتب، وسيفوز من ينتهي أولا وتكون ورقته بلا أخطاء, وسيقوم كل واحد منكم بتصحيح ورقة جاره في المقعد وبقلم أحمر، وسيضع العلامة وسيكتب عبارات تشجيع.

ابتسم الصغار وبحماس أخرجوا دفاترهم وأقلامهم، واقترب مني طفل أشقر ممتلئ تبدو عليه علامات الذكاء وترتسم على وجهه ابتسامة مشرقة، وقد حمل دفتره بيده ثم قدمه لي قائلا:

- هل “تمزقين” لي ورقة من هذا الدفتر.

ابتسمت للطلب وحملت الدفتر وفتحته ثم نزعت ورقتين متلاصقتين من منتصفه وقدمت الجميع للصغير الذي رفع حاجبه دهشة، وقدرت أنه استغرب ولم يعجبه نزعي لورقتين وقد طلب مني واحدة فقط .

غادر إلى مقعده وأخرجت هاتفي المحمول من الحقيبة لأقوم بترتيب بعض القوائم وإجراء بعض عمليات التنظيم المتراكمة.

اقتربت تلميذة ذات شعر فاحم ووجه يشبه القمر وابتسامة تشع دفئا وقد أمسكت بيدها ربطة للشعر ووقفت أمامي ثم مدت يدها بها نحوي قائلة:

- هل من الممكن أن تساعديني بربط شعري؟

أخذت ربطة الشعر منها مبتسمة فاستدارت وأولتني ظهرها فقمت بربط شعرها كذيل الحصان، وكنت أستطيع أن أتنسم عطر صابون شعرها الفاخر عندما تمر بي نسماته كل حين.

أنهيت المهمة، وكافأتني الصغيرة بابتسامة رائعة في طريق عودتها إلى مقعدها, فعدت لهاتفي وقوائمي وانشغلت بها وانشغل الأولاد بجداولهم حتى علا صوت عبد الرزاق قائلا:

- آنسة.. كان عندنا كلـب كلما رأى حية هجم عليها

- أنتم عندكم كلــب؟ أين يسكن؟

- في المزرعة.. يحرس المزرعة.

- هل تخاف منه؟

- لا .. أنا لا أخاف.. عندما ولدت أمي دخلت الغرفة وقلت له تعال فلم يقبل!

- لماذا؟

- لا أعرف.. نعم نعم.. كان هناك قطة تخيفه.

- الكلــب يخاف من القطة ولا يخاف من الحية؟

- أنا أمسكت الحية من ذيلها.. وضربتها.. وضربتها.. وضربتها.

- أنت أم الكلــب؟

- الكلــب موتها نصف موتة.. ولكنها لم تكن ميتة على الأخر فضربتها على الشوك وماتت وهي تفتح فمها.

- بطل.

كان عبد الرزاق فتى نحيلا أسمر اللون له وجه نحيل وعينان صغيرتان، وكان يرتدي قميصا أبيض تحت مريلة المدرسة وقد أحكم إقفال زر قميصه الأخير, وأخرج ياقته البيضاء فوق المريلة.

عاد لدفتره, وعدت لهاتفي ولقوائمي الطويلة.

علا صوته مجددا:

- تعالي عندنا الخميس عندنا درس رسم.

- من يدرسكم الرسم؟

- أنستنا تدرسنا وفي كل مرة نرسم الموضوع نفسه عن تلوث الهواء.

- في السنة القادمة إن شاء الله سأقوم بتدريسكم الرسم طوال العام.

- طيب, ولكن يوم الخميس هذا تعالي.

- إن شاء الله أفعل.

ابتسمت للدعوة, فقد كان أمرا رائعا أن أتلقى مثل هذه الدعوة من تلميذ في الصف الثاني، وهذا يعني أنه يستمتع بما يرى من رسوم معلقة في أنحاء المدرسة ويتمنى وجودي ليرسم مثلها.

بدأت الدفاتر تتقدم نحوي وقد انتهى أصحابها من كتابة الجداول, فقمت بعمل مبادلات ثنائية وعاد الأولاد إلى أماكنهم ليقوموا بمهمة التصحيح مسرورين.

قال عبد الرزاق وهو يكتب:

- آنسة.. آنسة،

- نعم،

- نحن كان عندنا خروف دخل إلى الحمام.

ضحكت, فقال مؤكدا:

- هذه حقيقة.. اقترب من القاظان فاشتعل صوفه واحترق.

- وماذا فعلتم؟!

- ذبحناه وأكلناه.

لم أرد، فقد تجمع حولي حشد كبير من أصحاب الأقلام الحمراء الصغار، واضطررت للعمل معهم بسرعة وإجراء التبديل المطلوب بين دفاترهم, وعندما ابتعدوا وجدت عبد الرزاق أمامي وقد ترك مقعده فسألته:

- هل انتهيت؟

- لا.. ولكن مرة الذئب قتل كلبنا.. ووجدته ميتا.. وكنت وحدي.

- وماذا فعلت؟

أشار بيده قائلا:

- سحبت البندقية وضربت الذئب على بطنه فمات.

أدركت أن خيال عبد الرزاق قد توهج، وأنه لا بد من إيقاف جموحه ولو بكلمة أو نصيحة مقابل المتعة التي أمدتني بها قصصه الحلوة، فاقتربت منه ووضعت يدي على كتفه كما يفعل الصديق الصدوق، وقبل أن أنبس بكلمة رن الجرس واختفى عبد الرزاق من أمامي .

***

القاظان : مدفأة تعمل على المازوت يستعملها السوريون لتدفئة المياه في حماماتهم .

مما نشرته في موقع رسالة الإسلام

 

 

 الحجاب وهدية الأمان

 

 عبير النحاس

كنت قد شعرت بالأمان بعد أن وضعت لُصاقة على كاميرا الحاسوب الخاص بي خوفا من أي اختراق, وعاد بي هذا الشعور زمنا إلى الوراء, وتذكرت إحساسا جميلا بالأمان غمرني يوم ارتديت الحجاب. كان ذلك في السنة الأولى من دراستي في معهد الفنون, وكان قرارا لا رجعة فيه أيضا بعد أن رأيت من أحوال صديقات لي محجبات ما أعجبني وأغراني بارتدائه بلا تردد. في مجتمعي الذي نشأت فيه لم يكن أمر الحجاب مألوفا, وأذكر أنني بحثت طويلا عن حجاب طلبته مدرسة التربية الدينية عندما كنت في الصف الرابع الابتدائي ولم أجد, واضطررنا يومها للذهاب إلى بيت جدتي ووجدت هناك “إيشارباً” حريرياً ملونا وصغير الحجم كما كانت الموضة في تلك الأيام, وكان أن اتخذت قراري بعد أن تم قبولي في المعهد، وبالفعل تم لي ما أردته. بالطبع كنت أبدو بين الجميع طفرةً, وعانيت من كلمات السخرية طويلا، وقالوا إنني بت أشبه الجدات, ثم أُخبرت بأنني لن أتزوج بعد ما فعلته بنفسي، وأن أيا من الشبان لن يفكر في دفن نفسه مع مثلي, وكنت أناقش حينا وأصمت ترفعا في كثير من الأحيان. وكانت أكبر الحروب على الإطلاق تلك التي خضتها مع نفسي, وكانت قد شنتها علي بقوة وامتلكت الكثير من الأسلحة التي أشهرتها في وجه صمودي, فأذكر أنها أخبرتني أن أحدا لن يتذكر تلك الحسناء, وأنني إن تزوجت فكيف سيكون حفل زفاف لا يزينه شباب وصبايا العائلة معا, وأكدت لي أنني سأبقى وحيدة هكذا دون صديقات بعد أن غدوت في هذا المجتمع كواحدة من عجائب الزمان. وكدت أرفع راية الهزيمة تحت تلك الضغوط, وتلك الحرب التي شنتها عليَّ روحي, وصمت أهلي وقرارهم بترك الأمر برمته لي وحدي. وفي الناحية الأخرى كانت تهب نسمات عليلة منعشة, كنت أرى في عيون البعض شيئا من إعجاب، وفي عيونهن كثيرا من الانكسار, وكانت كلمات أحدهم وقد صارحته برغبتي في ترك الحجاب فقال: “سيضحك الجميع عليك, وسيشمتون بك, فكلهن يتمنين لأنفسهن ما فعلت, ولكنهن ضعيفات”. وكأن كلماته كانت جرعة الدواء, وكأن الله أرسله بها ليداوي تلك العلة, فكان الثبات. بدأت بعدها ألمح في العيون احتراما وتقديرا, وكنت أول من تزوج من أولئك الفتيات, وكان زوجا أستطيع أن أفخر بارتباطي به, ولم يفسد غياب الشبان حفل زفافي مطلقا, فكان أن فقدت أسلحة الجميع أنصالها وخاب سلاح نفسي معهم. وبدأ السرور يتبدى لعيني بعد حين فرأيت الحجاب يزين رأس والدتي وأخواتي وخالاتي وصار وجود الحجاب أمرا عاديا بعد سنوات عدة, وقد تذكرت تلك الأيام السعيدة بعد أن أعادت إليَّ لصاقتي ذلك الشعور اللذيذ بالأمان, وحمدت الله أن هداني وأهداني هذا الثبات، وسألته تعالى حسن الختام.

سر اللوحة الصفراء – عبير النحاس

حَمَلَتْ لوحة هادي من جديد نحو غرفة الصفِّ وهي تقول لنفسها:

-         لن يكشف السرَّ غيركَ يا صغيري.

كانت اللوحة تصوِّر شمساً تُطِلُّ على بحيرة زرقاء صغيرة، وتحيط بالبحيرة ورود صفراء كثيرة، ويسبح فيها سمك أصفر مبهج, وقد أثار استغرابها وفضولها كثرة استخدامه لهذا اللون في لوحته تلك.

ابتسمت طويلاً وهي تراه يقفز معبِّراً لها عن سعادته بكلماتها التي أثنت بها على اللوحة يومها، فالقفز هو طريقته الوحيدة التي تعرفها في التعبير عن فرحه, فقد كان هادي طفلا تَوَحُّديَّاً, ولم يكن يعرف كيف يرسم ابتسامةً ما على وجهه, وكان كل ما يفعله عندما تطلب إليه أن يبتسم لكاميراتها؛ لتلتقط له صوراً مع لوحاته، هو أن يكشف لها عن أسنانه.

حملت اللوحة يومها إلى منزلها, وهناك أسرعت إلى المطبخ لتُعِذَّ طعاماً خفيفاً, ولتتنقل بين الغرف ترتبها بسرعة قبل أن يصل زوجها, ثمَّ فاجأته بإعدادها المبكِّر لكوب الشاي، وكأنها تستعجل قيلولته, فابتسم وغادر نحو غرفة النوم تاركاً إياها تُبحِر وحيدة في الشبكة العنكبوتية؛ لتكشف سرَّ لوحة هادي.

كانت متأكدة أنَّ هناك ارتباطاً ما بين لون اللوحة الأصفر، وبين مرض الصغير, وكانت تدرك أنَّ ارتباط اللون الأصفر بالسرور في آيات الكتاب الحكيم -وفي سورة البقرة بالتحديد- هو بداية كشف ما سيساعد تلميذها المسكين.

راحت تُسجِّل ما في المواقع الإلكترونية من معلومات؛ لتقوم بتنسيقها فيما بعد, فكتبت على دفترها ما وجدته في أحد المواقع:

-         “الذين يفضِّلون اللون الأصفر هم أشخاص مثاليُّون، متفائلون سُعداء، وحكماء، إذ تتناغم صفاتهم مع صفات هذا اللون الذي يعتبر رمزاً للضوء والثراء, وقادراً على شحن صاحبه بالحيوية، والقدرة على الإبداع”.

-         “اللون الأصفر يُؤثر تأثيراً إيجابيَّاً على عمل الكبد والطحَّال والبنكرياس والغدة الدرقيَّة والشُعب، ويقوِّي الجهاز العضلي والعصبي للجسم، ويُنصحُ باستخدامه بشكل خاص للشخصيات التي تعاني من عُسر في الهضم، أو إمساك مستمرٍّ، أو صداعٍ نصفي، وكذلك لمن لديهم استعداد للاكتئاب أو التشاؤم”.
- “إنَّ طول الموجة اللونية للون الأصفر تنشِّط عمل الدماغ؛ فيبقي عليه في حالةٍ يقِظةٍ تامةٍ، وصفاءٍ ذهنيٍ كاملٍ، كما يقوِّي هذا اللون الجهاز العصبي عموماً، وبناء الطاقة العضلية، وينشِّط عمل الغدد اللمفاوية، وينقِّي القنوات الهضمية، ويُحفِّز نشاط البنكرياس والمرارة”.
- “هو الأقرب للون شعاع الشمس، فهو لون الفرح والبهجة.

ومن الخواصِّ الإيجابية لهذا اللون: أنه يُحفِّز النشاط الفكري، ويبقي الذهن في حالة من التنبُّه والصفاء”.

استيقظ زوجها من غفوته, فسارعت لإعداد فنجان قهوته التركيَّة، وحرصت على جمع القشدة البنيَّة الفاتحة من الركوة، ووضعها في الفنجان قبل أن تُعيد الركوة لتغلي مرة ثانية, سكبتْها وحملت نحوه فنجان القهوة البنيِّ ذو الحافة الرقيقة، وقد عَلَتْهُ القشدة.

وفي الغرفة وَجَدَتْهُ يُحَدِّقُ في حاسوبها، وفي تلك الصفحات التي كتبتها مستفسراً عن سرِّ اهتمامها المفاجئ باللون الأصفر.

وضعت الفنجان أمامه على الطاولة، ثمَّ أخرجت له لوحة هادي، وراحت تشرح له بحماس عن حالته وما لفت نظرها في لوحته، وما تَأْمَلُ أن تجده في بحثها الطويل المضني.@

ابْتَسَمَ دون تعليق، وغادر الغرفة حاملاً فنجانه ليتناوله وهو يرتدي ملابسه وحده دون مساعدتها؛ ليتركها وما يشغلها، ثمَّ غادر المنزل بهدوء.

قرأت طويلاً عن الأطفال التوَحُّدِيِّين، وفوجئت بأنَّ البعض منهم تمَّ شفاؤه بمجرد حمية، واستغربت أن لا تصبر والدة هادي على متابعة حمية التوَحُّد، وهو وحيدها وحبيبها ومحطُّ اهتمامها.

عاد زوجها بعد ساعات ليجد عينان حمراوان تحت زجاج نظارتها ذات الإطار الأزرق، والمحلَّاة بخيوط من الفِضَّة, ابتسم مشفقاً وقال بحنان:

-         هل لي بإبداء رأيي؟

-         نعم بالتأكيد.

-         لم لا تسألين الصغير عن سبب استخدامه لهذا اللون؟

استغربت لسهولة الفكرة وبراعتها، وأعجبها منطقه؛ فعليها أن تسأل صاحب اللوحة أولاً؛ لعلها تجد طريقها في البحث بعد جوابه بسهولة أكبر؛ فاستجابت مبتسمة وأغلقت حاسوبها؛ لتقوم بإعداد مائدة العشاء، وقامت قبلها بإرسال الصورة إلى موقع إلكتروني يقوم بتحليل الرسوم؛ لكشف أسرار صاحبها، معتمداً على علم النفس وعلم اللون والخطوط.

في الصباح استيقظ زوجها ليجدها وقد ارتدت ملابسها، وبدأت في شرب فنجان قهوتها قبله، ولمح في وجهها تلك النظرة التي يعرفها جيِّداً عندما يَسْكُنُ الحماس قلبها.

دخلت الصفَّ، وسرعان ما وضعت اللوحة على الطاولة، ونادت هادي، وسألته عندما راح ينظر إلى اللوحة:

-         أي لون تُحِبُّ يا هادي؟

أجاب دون تردُّدٍ ودون ابتسامة:

-         الأصفر.

-         وهل لأجل هذا جعلت لون الورود والأسماك صفراء هنا؟

-         نعم.

-         ولماذا تحب هذا اللون يا صغيري؟

-         لأنني رأيت رونالدينيو يلبسه وهو يلعب مع فريق البرازيل.

مما نشرته في موقع رسالة الإسلام.