حصة فراغ – قصة قصيرة – مما نشرته في موقع رسالة الإسلام
9 يوليو 2010
|
لم يكن خبر غياب( هدى) مدرِّسة الصف الثاني الابتدائي أسعد خبر تلقيته في هذا اليوم, فغيابها يعني أن تطلب المديرة مني الدخول إلى صفها لأقوم بإشغال الأولاد بدلا منها. كنت قد وصلت إلى المدرسة قبل حصة كاملة من موعد بداية حصصي، ولم أكن متلهفة للخروج من المنزل والتوجه نحو المدرسة بالتأكيد, ولكنني آثرت القدوم مع زوجي في سيارتنا أثناء توصيله للأولاد قبل ساعة كاملة بدلا من المشي الصباحي, أو الوقوف طويلا بانتظار سيارة أجرة. لم أفكر في رفض طلب المديرة، فقد كانت تستحق أن نؤدي لها خدمات كثيرة ولو على حساب راحتنا, فهي صاحبة خلق رفيع وطبع نبيل حسن, وقد أشاعت في المدرسة جوا ساحرا من الأُلفة بفضل معدنها الأصيل, ولم تكن ترفض لنا طلبا، بل وتبذل ما في وسعها لحل مشكلاتنا ومشكلات الأولاد وأسرهم, وكان الكثير من الفقراء يأتون إلى المدرسة لطلب مساعدتها وخدماتها ولم تكن تضن بها, فحملت حقيبتي وتوجهت بتثاقل نحو الصف، فقد كنت أرغب البقاء في الإدارة وتناول فنجان قهوة ساخن. نقرتان على الباب كانتا كفيلتين بإنهاء حالة الفوضى وإخماد الأصوات العالية, وبدا الصف لوهلة هادئا بعد أن عاد التلاميذ إلى أماكنهم ووقفوا احتراما للمدرِّسة القادمة كما علموهم أن يفعلوا. لم أكن أدرس الرسم في هذا الصف رغم تدريسي لأغلب الصفوف في المدرسة، وقد فسر لي هذا سبب تلك النظرات الفضولية المتسائلة, أشرت إليهم أن يجلسوا فقلت مبتسمة: - استريحوا يا أولاد. جلس الجميع بصمت كنت أدرك أنه لن يطول إذا لم أسارع بعمل أشغلهم به, وكان قد خطر لي أن أطلب منهم كتابة شيء ما لعلمي المسبق بأن أيا منهم لا يحمل دفتر رسم أو علبة تلوين أمارس من خلالها اختصاصي, فاتخذت قرارا بأن أطلب منهم أن يكتبوا جداول الضرب مع عمل مسابقة للسرعة بينهم, ومن ثم يتبادل كل طالبين أوراقهما, ويقوم كل منهما بتصحيح أوراق الآخر بقلم أحمر ليشعروا بالمتعة وبأنهم يقومون بأعمال المعلمة التي يتمنونها، فسألتهم: - ما هي جداول الضرب التي تعلمتموها؟ فقامت تلميذة ذات شعر له لون البرتقال الجميل وقد بدت على وجهها حبات النمش الحلوة والتي لم تخف ملامحها الجميلة ونباهتها الواضحة فقالت: - تعلمنا الجداول من واحد إلى خمسة وتعلمنا جدول العشرة. - ممتاز شكرا يا حلوة, هيا أخرجوا دفاتر المسودة واكتبوا فيها الجداول بخط واضح مرتب، وسيفوز من ينتهي أولا وتكون ورقته بلا أخطاء, وسيقوم كل واحد منكم بتصحيح ورقة جاره في المقعد وبقلم أحمر، وسيضع العلامة وسيكتب عبارات تشجيع. ابتسم الصغار وبحماس أخرجوا دفاترهم وأقلامهم، واقترب مني طفل أشقر ممتلئ تبدو عليه علامات الذكاء وترتسم على وجهه ابتسامة مشرقة، وقد حمل دفتره بيده ثم قدمه لي قائلا: - هل “تمزقين” لي ورقة من هذا الدفتر. ابتسمت للطلب وحملت الدفتر وفتحته ثم نزعت ورقتين متلاصقتين من منتصفه وقدمت الجميع للصغير الذي رفع حاجبه دهشة، وقدرت أنه استغرب ولم يعجبه نزعي لورقتين وقد طلب مني واحدة فقط . غادر إلى مقعده وأخرجت هاتفي المحمول من الحقيبة لأقوم بترتيب بعض القوائم وإجراء بعض عمليات التنظيم المتراكمة. اقتربت تلميذة ذات شعر فاحم ووجه يشبه القمر وابتسامة تشع دفئا وقد أمسكت بيدها ربطة للشعر ووقفت أمامي ثم مدت يدها بها نحوي قائلة: - هل من الممكن أن تساعديني بربط شعري؟ أخذت ربطة الشعر منها مبتسمة فاستدارت وأولتني ظهرها فقمت بربط شعرها كذيل الحصان، وكنت أستطيع أن أتنسم عطر صابون شعرها الفاخر عندما تمر بي نسماته كل حين. أنهيت المهمة، وكافأتني الصغيرة بابتسامة رائعة في طريق عودتها إلى مقعدها, فعدت لهاتفي وقوائمي وانشغلت بها وانشغل الأولاد بجداولهم حتى علا صوت عبد الرزاق قائلا: - آنسة.. كان عندنا كلـب كلما رأى حية هجم عليها - أنتم عندكم كلــب؟ أين يسكن؟ - في المزرعة.. يحرس المزرعة. - هل تخاف منه؟ - لا .. أنا لا أخاف.. عندما ولدت أمي دخلت الغرفة وقلت له تعال فلم يقبل! - لماذا؟ - لا أعرف.. نعم نعم.. كان هناك قطة تخيفه. - الكلــب يخاف من القطة ولا يخاف من الحية؟ - أنا أمسكت الحية من ذيلها.. وضربتها.. وضربتها.. وضربتها. - أنت أم الكلــب؟ - الكلــب موتها نصف موتة.. ولكنها لم تكن ميتة على الأخر فضربتها على الشوك وماتت وهي تفتح فمها. - بطل. كان عبد الرزاق فتى نحيلا أسمر اللون له وجه نحيل وعينان صغيرتان، وكان يرتدي قميصا أبيض تحت مريلة المدرسة وقد أحكم إقفال زر قميصه الأخير, وأخرج ياقته البيضاء فوق المريلة. عاد لدفتره, وعدت لهاتفي ولقوائمي الطويلة. علا صوته مجددا: - تعالي عندنا الخميس عندنا درس رسم. - من يدرسكم الرسم؟ - أنستنا تدرسنا وفي كل مرة نرسم الموضوع نفسه عن تلوث الهواء. - في السنة القادمة إن شاء الله سأقوم بتدريسكم الرسم طوال العام. - طيب, ولكن يوم الخميس هذا تعالي. - إن شاء الله أفعل. ابتسمت للدعوة, فقد كان أمرا رائعا أن أتلقى مثل هذه الدعوة من تلميذ في الصف الثاني، وهذا يعني أنه يستمتع بما يرى من رسوم معلقة في أنحاء المدرسة ويتمنى وجودي ليرسم مثلها. بدأت الدفاتر تتقدم نحوي وقد انتهى أصحابها من كتابة الجداول, فقمت بعمل مبادلات ثنائية وعاد الأولاد إلى أماكنهم ليقوموا بمهمة التصحيح مسرورين. قال عبد الرزاق وهو يكتب: - آنسة.. آنسة، - نعم، - نحن كان عندنا خروف دخل إلى الحمام. ضحكت, فقال مؤكدا: - هذه حقيقة.. اقترب من القاظان فاشتعل صوفه واحترق. - وماذا فعلتم؟! - ذبحناه وأكلناه. لم أرد، فقد تجمع حولي حشد كبير من أصحاب الأقلام الحمراء الصغار، واضطررت للعمل معهم بسرعة وإجراء التبديل المطلوب بين دفاترهم, وعندما ابتعدوا وجدت عبد الرزاق أمامي وقد ترك مقعده فسألته: - هل انتهيت؟ - لا.. ولكن مرة الذئب قتل كلبنا.. ووجدته ميتا.. وكنت وحدي. - وماذا فعلت؟ أشار بيده قائلا: - سحبت البندقية وضربت الذئب على بطنه فمات. أدركت أن خيال عبد الرزاق قد توهج، وأنه لا بد من إيقاف جموحه ولو بكلمة أو نصيحة مقابل المتعة التي أمدتني بها قصصه الحلوة، فاقتربت منه ووضعت يدي على كتفه كما يفعل الصديق الصدوق، وقبل أن أنبس بكلمة رن الجرس واختفى عبد الرزاق من أمامي . *** القاظان : مدفأة تعمل على المازوت يستعملها السوريون لتدفئة المياه في حماماتهم . مما نشرته في موقع رسالة الإسلام |
|

17 نوفمبر 2010 at 5:50 م
تحيّاتي
بارك الله فيك من مدرسة ناجحة،بصراحة حاولت البحث عن خطأ إملائي أو نحوي أو لغوي فلم تنجح المحاولة،حتّى الأفكار مترابطة ومتسلسلة.
وفّقك الله
24 نوفمبر 2010 at 7:22 ص
بوركت أستاذنا الكريم و جزيت خيرا كثيرا
كل التقدير
22 نوفمبر 2010 at 7:52 م
صور رائعة وعميقة وخاطفة
استوقفتني كل منها للاستمتاع بلغتها الأديبة الراقية وروعة مضمونها
أيتها المربية الفاضلة،والشعور المرهف،وأنت بلا شك بطلة القصّة،أشكرك.
وفّقك الله.
هذا تعليقي على قصّتك(قلب فريد).
وهناك وردخطأ فيهاوهو(أمسكت بالفنجان بكلتي يديها=أمسكت بالفنجان بكلتا يديها.
سامحيني.
24 نوفمبر 2010 at 7:24 ص
رفع الله قدركم أيها الكريم و شكر لكم
ممتنة لتصويبكم
طاب حرفك