نشرت في موقع رسالة المرأة في
4 أغسطس 2009

هنا الرابط

http://www.womanmessage.com/articles.aspx?cid=3&acid=37&aid=10425

كانت التحضيرات لتلك اللعبة تبدأ قبل يوم كامل على الأقل من ساعة الصفر , فقد كنت في السابعة من عمري و أختي التي تكبرني بعام واحد , و خالتي التي تكبرها بعام أيضا نحتفظ بطقوس خاصة للعبتنا المفضلة , و التي كنا نسميها ( لعبة الجيران ) .

فقد كان يتمُّ تقسيم الغرفة الخاصة بنا إلى ثلاثة منازلَ مستقلة , و إلى سوق للخضروات و المأكولات و الملابس , و إلى أماكن للعمل الذي سنكون موظفات فيه , و قبل موعد اللعبة بيوم كامل كنا نقطّع الورق الأبيض إلى قطع متساوية , و نكتب عليها أرقاما تماثل نقود الكبار , و من ثم نودعها المصرف الذي سنأخذ منه أجرنا بعد العمل , و نقوم بترتيب المكعبات و الألعاب الصغيرة الحجم على طاولة الدراسة , و نكتب على كل مجموعة منها اسم الصنف الذي يشبهها, فيتوفر لدينا الكثير من الأنواع المختلفة من اللحوم و الخضراوات و المواد التي تلزم البيوت جميعا .

و كانت الخزائن تُفرغ من الملابس على آخرها و تكوم الملابس على الكراسي استعدادا لرحلات التسوق التي سنقوم بها .

و لم نكن ننسى أبدا أن نقطع أوراقا بحجم صغير للغاية و نتركها في طبق عميق مع القليل من الماء و نقص أوراقا بشكل مربعات لتكون لنا كما ورق العنب و الأوراق الصغيرة المنقوعة بالماء هي الحشو المعدّ لها .

و كنا نستيقظ قبل الفجر لنبدأ تلك الّلعبة الممتعة , و نمارس فيها حياتنا كما الكبار , فنستيقظ لنُنَظف و نُرتبّ بيوتنا الصغيرة جدا , و نشربُ قهوةَ الصباح, و نقوم بعدها بتبديل ملابس ألعابِنا أو أولادِنا الصغار كما نتخيّلهم و نوصِلهم للروضة و نحن نحمل حقائب تحتوي على فوط إخوتنا الصغار وأشيائهم الأخرى كالبودرة و زجاجات الرضاعة و الملابس المتنوعة , و نتوجه بعدها نحو أعمالنا لنضع نظاراتنا الشمسية الصغيرة على عيوننا كما يفعلون , و بالكاد كنا نرى ما نقوم به من أعمال كتوقيع الكثير من الأوراق بمتعة لا توصف و كما يفعل المُدراء في المسلسلات التلفزيونية تماما , و قد كنا نحتفِظ بتلك الأوراق خصّيصا لتحمِل تواقيعنا المحترمة , و من ثم لا نعلم من الذي يقرر نهاية الدوام, فنخرج لنتسلَّم رواتبنا من المصرف , و نقوم بالتسوق في طريق عودتنا فنشتري ما لذّ وطاب من المأكولات و الأغراض التي نحتاجها , و نأتي بالأولاد للمنزل , و نحضِّر طعام الغداء المكون من بعض المكعبات التي تجمعها أطباقنا الصغيرة الملونة, ثم نذهب بالألعاب إلى القيلولة حيث يمكننا وقتها غسل الملابس و نشرها على الحبال التي نشَكّلها من أحزمة ثيابنا و نربطها بأبواب الخزائن و من ثم نكويها بما نتخيله مكواة كهربائية , و نغسل أطباقنا الحلوة دون تذمر .

وقد نقوم بزياراتٍ بعد العصر – حسب توقيتنا طبعا – لبيوت بعضنا , و تعد من أجل الزيارة صاحبة البيت طعام الضيافة و القهوة, و من ثم نعود في المساء لنقوم بشُغل الصوف أو لف ورق العنب أمام التلفاز و نحن نتناول المكسرات و نشرب العصير من كؤوس لا تتجاوز عقلة الإصبع و كانت الأمور تجري بانسيابية و روعة و لم نكن نشعر بالوقت حتى تبدأ والدتي بطلب أدوات المطبخ التي افتقدتها, و التي تحتاجها لإعداد وجبة الفطور و كنا نشعر وقتها أننا فقدنا خصوصيتنا , و أن هناك من اقتحم علينا عالمنا السحري , فكنا نبدأ بإرجاع الأشياء إلى مكانها بتثاقل شديد و قد انتهى وقت لا يقدّر بثمن .

هذه القصة منشورة في عدد مجلة حياة رقم 117 لشهر محرم الجاري

 

حفاظاً على العرش ..

لم تستطع تلك الدعوة التي تلقتها لحضور حفل العرس أن تسعدها هذه المرة , بل شعرت أنها في ورطة حقيقية , فظروف زوجها و ضائقته المالية في أوجها , و هذه الحفلات و ما يتبعها من ملابس باهظة الثمن و إكسسوارات و حليّ غالية تحتاج ما لا تملكه في هذه المحنة التي تعصف بها .
كانت أناقتها تحظى باهتمام كبير منها رغم أنها لم تكن تسعى إلى لفت الأنظار إليها , و لكنّ اهتمامها بالجميل و الجديد كان كفيلا بجذب أنظارهنّ نحوها , و دفعها مضطرة للاشتراك في تلك المنافسات المستعرة التي تدور حولها, فكان أن توِّجت ملكة عليهن دون منازع .
لم يكن ليسهل عليها التنازل عن عرشها الجميل عندما تذهب للحفل بفستان يعرفه الجميع هناك , و لم يكن الاعتذار عن الحضور بالفكرة الصائبة في هذا الوقت , فهو بمثابة إعلان صامت عن أزمة تمر بها , و ستكون حتما في مرمى ألسنتهن و مجال تندرهن و شفقتهن المخادعة .
وقفت حائرة أمام خزانتها المكتظة بما لم يرضها , و راحت تتمعن في ملابسها لتنتقي ما ينفع للحفاظ على مكانتها .
كان فستانها الأسود الكلاسيكي الهادئ و الموقع باسم مصمم معروف مستعدا لنجدتها كما في كل مرة تضيق بها السبل فلا تعرف ماذا ترتدي , و كان هو الصديق الوفي الذي لا يخيّبها, و هو السهل الممتنع , و الموضة السنوية الراسخة في عالم الأزياء الذي لا يكف عن التبدل و التغيّر , فقد اعتبر رمزا للأناقة النسائية منذ أن قامت ( كوكو شانيل ) بتصميمه في عام ألف و تسع مائة و ست و عشرين , و تربع دوما في أعلى قوائم المجموعات التي يطلقها المصممون العالميون .
و قد عملت هي بنصيحة قرأتها للمصمم الراحل( كريستيان ديور) قال فيها ” أنه أهم قطعة يجب أن تمتلكها المرأة ” فاختارت فستانا أسود بقماش فاخر و خياطة رفيعة و قصة تشبه إلى حد ما شكل فستان الشوال الإنكليزي المعروف , و ممهورا بتوقيع صاحبه الشهير , و تعمدت أن يكون بلا أكمام ليناسب أيام الحر, و اشترت شالاً أسود من الصوف الخفيف لتلبسه معه عندما يكون الجو باردا .
قضت يوما كاملا في التسوق بحثا عما تتحايل به على فستانها الناعم لتضفي عليه شكلا جديدا و متميزا . و عادت إلى المنزل بحزام جلدي عريض أسود لامع و متقنٌ جدا من محل راق تعرفه , و عقد ضخم من اللآلئ الكبيرة الحجم و التي لا يمكنها أن تعطي انطباعا بأنها أصلية , و كانت قد تعمّدت شراءها بهذا الحجم الكبير بعدما رأت مثلها معلقة على رقبة ( ميشيل أوباما ) زوجة الرئيس الأمريكي , و في فترة الانتخابات تحديدا , و قد أكد الجميع أن من المستبعد أن تكون تلك اللآلئ أصلية , و هذا ما أشارت إليه يوما المصممة ( شانيل )حين قالت : ” لا يفترض بالمجوهرات أن تجعلك تبدين ثرية , بل المطلوب منها أن تجمِّلك , و هما أمران مختلفان” و قد اقتنعت بالفكرة تماما و كان أن تجرأت على ركنِ ذهبها في علبة الموزاييك , و راحت تقتني ما يحلو لها من مجوهرات تقليدية بأحجام كبيرة و صغيرة و بمختلف الأشكال و الألوان التي تناسب ما لديها من ملابس .
منذ الصباح بدأت ببرنامج العناية المنزلية ببشرتها , فقامت بوضع قناع البيض و العسل و خليط من زيت الزيتون و زيت الجزر على وجهها لساعة كاملة, و بعد غسله راحت ترشه بماء الزهر كل حين , و من ثم وضعت مستحضرا من خلاصة الشاي الأخضر و زهر البابونج و تركته حتى المساء .
و قبل الموعد بساعة أكملت ماكياجها الخفيف و قد اختارت له اللون الرمادي الساحر , و تركت شعرها ينساب بحرية دون أن تفكر في الذهاب إلى صالون تجميل استكمالا لمظهرها الناعم .
ارتدت فستانها المحافظ و شدته بالحزام الجلدي اللامع , ثم تقلدت عقدها الضخم , و سوارا من الكريستال الأسود تتدلى منه بعض الأحجار من اللون نفسه و بأحجام مختلفة , و اختارت حذاء أسود بكعب عال رفيع , و وشاح من الساتان الطويل , وحملت حقيبتها السوداء الصغيرة المرصعة بماسات رقيقة و المغلفة بالدانتيل الأسود , وقرأت على نفسها آيات الحفظ و أذكار الحماية قبل أن تغادر نحو الغرفة التي يجلس فيها زوجها معلنة استعدادها للذهاب إلى الحفل .
ترك زوجها كتابا كان يتصفحه , و نظر بدهشة نحو الجمال الذي لم يكلفه شيئا مما كان يتكبده من أموال طائلة أيام الرخاء , ابتسم و قد أعجبه صمودها و قدرتها على تدبّر أمرها دون أن تذيقه الأمَرّين كما كانت تفعل عندما تستعد لمثل هذه المناسبات .
دخلت الحفل بثبات و ثقة , أحاطتها نيران العيون الكحيلة , ابتسمت و قد أدركت أنها أشعلت المنافسة بقوة , و أنها حصلت على العرش مرة أخرى و بجدارة لتميّز شكلها , و اختلافها الأنيق عن الأخريات .
لم تغرها أقمشة أثوابهن المهفهفة و المثقلة بالأحجار الساحرة , و لم تفتنها تسريحات شعورهن المعقدة التي ترزح تحت وطأتها رؤوسهن الجميلة .
فقط اكتفت بابتسامة ثقة أرسلتها للجميع , و راحت ترتشف قهوة العرس بهدوء ,و تشكر بحب صديقها الوفي الأنيق .

__________________

التشيؤ

1 يوليو 2009

 

7789_1


كنت تستطيع بسهولة , أن ترى ذلك البريق في عينيها , و تلك الابتسامة المرسومة على شفتيها , و تدرك مقدار سعادتها , و هي ترتدي ملابسها بهدوء , كما أمرت والدتها , دون تذمرها المعتاد .

ارتدت بنطال الجينز المطرز بالخيوط الوردية , و تلك البلوزة الوردية القصيرة , و حذاءها الرياضي المزين بالورود الصغيرة , و تركت شعرها الكستنائي ينساب تحت قبعتها الواقية من الشمس , و التي طالما رفضت ارتداءها , في الأيام العادية , و لكنها اليوم لم تكن كعادتها مطلقا , لقد كانت تعيش لحظات استثنائية و هي تستعد للذهاب مع والدها إلى بيت منير ,

كانت الزيارة حلما يراودها منذ أن لمحت عيناها لوحته التي أهداها لوالدها , و التي يصور فيها عمودا من خشب له شكل امرأة تحمل طفلها .

كانت تجلس أمام اللوحة طويلا , و تعيش مع عالم الألوان الزيتية فيها , تحلم بامتلاكها تلك الألوان , وامتلاكها لمرسم خاص بها , و تشعر بلذة نشر اللون على القماش المشدود , و ربما تحلم بأن تهدي لأصدقائها لوحاتها البارعة .

و كم سألت والدها قائلة :

- ما اسم هذه اللوحة يا أبي ؟

فكان يجيبها بابتسامة , و هو يرى حنينها للألوان و شوقها لإنجاز يماثل لوحات منير :

- اسمها التشيؤ يا حلوتي .

لم تكن لتهتم للاسم , أو المعنى الذي لم تفهمه , كانت متأكدة أن لمنير كما لكل الناس فلسفتهم الخاصة , و لربما شعرت أنه كان يعاني وقتها من غربة عن البشر , فرأى الناس يومها كما الأشياء .

رغبة ملحة للقائه حلت بها , فكانت ترجو والدها أن تكون معه , في زيارته لبيت منير , وكاد الحلم أن يصبح حقيقة .

بضع دقائق فقط تفصلها عن رؤية منزل منير , أو مرسمه , كادت تطير من الفرحة , و هي تدخل تلك الحديقة الجميلة التي تسبق باب المرسم , و ترى كل تلك المنحوتات الرائعة التي زين بها منير حديقته , و قام بتوزيعها بين زهوره الساحرة , راحت تحدث نفسها :

- سيكون لمرسمي مثل هذه الحديقة , و سأنثر المنحوتات بين زهوري تماما كما تفعل أنت يا أستاذ منير .

دخلا على المرسم أخيرا , كان قلبها يخفق بشدة , و هي ترى تلك الكميات الكبيرة من اللوحات , الأطر الفارغة , الكثير الكثير من الفراشي , الألوان الزيتية , حوامل الألوان الخشبية الكبيرة و الصغيرة الممتلئة بالألوان , كانت كل تلك الصور في عينيها مع تلك الواجهة الزجاجية الكبيرة , أجمل من جميع مدن الأحلام , اقترب منير مصافحا والدها , و حياها بابتسامة , ابتسمت و هي تجلس حيث أشار لها , راحت تؤرجح قدميها الصغيرتين مستمتعة بكل ما حولها , و غير منتبهة لأي كلمة يقولها الرجلان .

دفع منير إليها بكأس كبيرة من ( الكوكا كولا ) , و داعبت أنفها رائحة قهوتيهما الرائعة , فعادت من رحلة خيالها إلى عالم الحقيقة بينهما .

سأله والدها معاتبا :

- ما عدنا نراك في جمعتنا يا منير ؟ فأين الغياب ؟

تنهد بأسى :

- ما عدت قادرا على رؤية البشر يا صديقي , و ما عادت حياتهم تغريني , فأصبحت أرسم ليلا , و أنام طول النهار .

أذهلها منطقه الغريب , لم تجد لشرابها بعده نكهته الأولى , و تخلت رائحة القهوة عن مداعبة أنفها الصغير , خرجت مع والدها صامتة واجمة , لم تلق على الزهور تحية من عينيها الشاردتين , ركبت السيارة بجانب والدها , سألها بود :

- هل سررت يا حبيبتي ؟

- لا يا أبي , أنا أحب الرسم و الألوان , و أحب أن أكون رسامة عندما أكبر , و لكن لن أكون مثل العم منير .

رفع الوالد حاجبيه دهشة , فاستمرت قائلة :

- أنا أحب نور الشمس يا والدي , و أحب الاستيقاظ في النهار , أحب الناس جميعا , و لا أريد أن أبتعد عنهم , أو أن أراهم كالأشياء

كانت لمسة

2 مايو 2009

كانتْ لَمسة

 

 cazffk62

 

لمْ يكنْ اللقاء الأول الّذي جمعني بفراس _ في الصفِ الثاني الابتدائي  _ مفرحاً لأيٍّ منا ,

 مُدَرِّسة  للرَسم , تَعني  , دفترَ رسم ٍ , و علبة ألوانٍ ,  و التزام بإتمام الرسوم , و هو أمرٌ لا يكاد يطيقهُ الطالب المجتهدُ  , فضلا عن طالب لا يبالي بالدراسة مثل فراس .

لمْ تكن تلك الندوبُ التي يحملها وجههُ  تشجعكَ على التفاهمِ معه  ,  و لم يكن صوتهُ القوي ُ ,  و صراخهُ  في وجهِ رفاقه , يأذن لك  بالحديث ِالناصح المنمق ,  كانَ فراس  أمامي كتلةً صماء .

سبب لي وجوده بين زملائه مشكلة حقيقية , فهو لا يتوانى عن رَكل هذا ,  و ضربِ ذاك , و العبثِ  بأقلامِهم و رسوماتهم  , و رَبما رميَها بعيدا  , لأجد  الصف في لحظات و كأنه مستشفى للمجانين .

و لم أملك حلا لضمان مسير الدرس ,  إلا أن أقف بفراس على طاولتي , و أقدم له بعض أوراقي , و أستعير له أقلام التلوين , ثم آمُرهُ بالرَسم مع تقطيب الجبين ,و  أحرص حينها  على البحث عن مكان ما في لوحته  , يحمل بصيص أمل  ,  فأشجعه ,  و يبتسم هو بسرور .

و  ما إن يلمح بصيص ابتسامتي  , حتى ينطلق بحديثه الذي لا ينتهي , و كنت استمع بدهشة تارة , و أرغم نفسي على الاستماع تارة أخرى , في محاولة لجعله يفتح تلك الأبواب المغلقة  بيننا .

شيئا فشيئا بدأت ملامح وجهي تتغير في مواجهة ذلك الوجه الصغير ,  و بدأت ألمح في  زجاج عينيه  ألوانا من البؤس , و من حديثه المتواصل أستشف الكثير من ألامه و معاناته , علمت أنه يتيم الأبِ منذ عامين و أن زوج والدته رجلٌ سكير ,  و رأيت بعضا من أثارِ غضبه على جسد الغلام الصغير .

أخبرني عن أولاد الحي و محاولاتهم المستمرة للشجار معه , و عن جوعه و إخوته الصغار ..

و لم أزد على تقديم قطعة سكر له  , أو أكتفي بالاستماع  دون تعليق ., كنت أريده رجلا فقط .

 أكتفي بمسح شعره الإنصات إليه

 

 

دخلت الصف فوجدته قرب الطاولة , و دفتر رسم  جديد  ينتظرني ,  و  ابتسامة  , وعلبة تلوين , كنت أدرك جيدا أنه حرم نفسه من قطعة حلوى ليرضيني بما اشترى , وجدتني أشرح درس  اليوم ,  و أسرع إليه ,  لأجده يرسم بتطور ملحوظ .

رفع رأسه نحوي مبتسما  ينتظر كلمة مديح .

أحطت وجنتيه الصغيرتين بكلتا يديّ , ابتسمت ,   و قلت بفخر :

-         أحسنت يا بطل

عاد يلون بسرعة  , دون أن ينسى شروطي الصعبة , أقصد التي كانت يوما  صعبة عليه.

-         ألون باتجاه واحد و أملئ كامل الصفحة باللون ..

 و كان نصيب اللوحة أن تعلق يومها في معرض المدرسة الدائم , وسط فرحة و بريق عيني الصغير.

في الصباح التالي دخلتُ المدرسة  , و وجدته يقترب مني ,  رافعا يده مستعدا للمصافحة .

مددت يدي  مبتسمة  , فضرب بكفه على راحتي  بقوة  كما يفعل  الأشداء , لاحظت شعرا مسرحا, ووجها يشع نظافة و ابتسامة عذبة .

قال و هو يساير خطواتي :

-         كيفَ حالكِ  اليوم  يا آنسة ؟

 

 

……………………………

 

 

 

 

-          غياب الوردة الحمراء

 meenyehb_16_04

وردة حمراء ,  خلف الأذن اليسرى ، و فنجان قهوتها ، و فله بلدية في صحن الفنجان ..
و كأن ثلاثين سنة ,  لم تكن قد مرت من عمرها ، و هي تعيش حالة من ذكريات الصبا التي عادت إليها ، و هي تتابع حلقات مسلسل تلفزيوني يحكي سيرة العندليب ، و كأنها أمامه اليوم كما كان و كانت ..
تهيم به حبا ، و تقتني كل جديد له ، و تحتفظ بصوره على وريقات كراساتها , بعد أن تذيلها بأبيات غناها  ، و عاشت معها ذهولا عن الدنيا…
سنين من عمرها قضتها  , و هي تبكي شبابه الغائب ، و تذكر أيامها الحلوة  ، و هي تعيش نجاحه  ، و قلبها الفتي يخفق لصوته الأنيق .
و كم كانت تفخر , لأنها أورثت بناتها حب ما قال ، و غنى  ، و ترفعت بذائقتهن عن الطرب الرخيص .
و حتى حينما حاولت أن تشق لها طريقا بين الصالحين ، و أن تعكف على تلاوة القرآن الكريم ,أمر واحد ما  زالت تعاني ولعها به ، و حبها له  ، و تسأل الله أن يكف يدها عن مكتبتها ,  التي جمعت فيها اسطوانات ,  و صور , و كتب تحكي سيرته ، و حبها له  .

 و بين الحين  ,  و الحين كنت تراها مع صوته  ، ووردة حمراء خلف الأذن اليسرى ، و فنجان قهوتها ، و فله في صحن الفنجان …
تابعت حلقات المسلسل بشغف  ، و ألغت كل المواعيد ، و سرور وردتها الحمراء كبير بخروجها من صندوق الموزاييك ، و جلوسها مجددا مع رشة عطر خلف الأذن اليسرى ، رغم بعض التجاعيد ..
و كلما حان موعد العرض ,  عاد البريق إلى عينيها  ، ووردة حمراء خلف الأذن اليسرى.. و فنجان قهوتها.. و فلّة بلدية في صحن الفنجان .
أَمرٌ ما في سيرتهِ أخفى ذاك البريق …
و تصرفٌ ما  - قامَ به – غيّب الوردة الحزينة في صندوق الموزاييك…
و اكتشافها لصفاتٍ في شخصه ، رَحمَ الفل البلدي من الموتِ في صحن الفنجان …
أغلقت المكتبة حينها بإحكام …
و جاءت الحلقة الأخيرة  , لتبحث ، و تسأل عنها  ، و عن وردة حمراء خلف الأذن اليسرى  ، و فنجان قهوتها ، و فلة بلدية في صحن الفنجان .

digitalstock_0312-         رسالة

 

 

 

كانت عقارب السّاعة تقترب من العاشرة مساءً، عندما جلست زينة إلى حاسوبها  , و أدارت زرّ التشغيل مُسرعة ، لتشهد وصول تلك الرّسالة اليوميّة إلى بريدها الإلكتروني ، كانت تدهشها تلك الدّقة في وصولها اليومي  .

لم تكن تعيرها اهتماما في البداية ,  و ربما حذفتها مرارا دون أن تفتحها  ، و لكن عنوانها الموحد ووصولها في تمام العاشرة مساء كل يوم ، جعلها تتنبه لها , و قد كتبت في خانة المرسل (مجهول).

 بضعة أبيات من شعر ابن زيدون ، و وردة ، كانت كل ما تحمله تلك الرسالة الالكترونية .

لم تعد تمتلك تلك التقطيبة  التي قابلت بها الحرف و الصورة في البداية  ، بل بدأت تلمح ابتسامة على محياها عندما يلتقي بصرها بما تحمله من حروف وورود .

و لم تحدّثها نفسها بالرد على (مجهول) هذا ، مرة واحدة فقط رأت أن تخبره أن رسائله تصل بريدها ربما من باب الخطأ , ثم تجاهلت الأمر .

- من هو هذا المجهول يا ترى ؟

 أهو شاب أو فتاة أخطأ إلى بريدها  الخطا ؟

أتراه سمج يريد اختبار قوة احتمالها ؟

لا بأس فلديها من القدرة على الصّبر و التّحمل فوق ما سيتخيل .

 

قرأت أبيات الشّعر ،  ابتسمت للوردة ، أغلقت حاسوبها ، غادرت نحو المطبخ  , لتعود بعد برهة , و هي تحمل طبق( الفتوش) الذي طلبه غسّان منها و الذي تَبرع هي في إعداده , فتقوم بتقطيع الخضار بدقة بالغة ,  ثم تعمل على طلاء الخبز( بصلصتها) المكونة من الليمون ,  و الزيت البلدي ,  و الثوم ,  و رشة من النعناع المجفف , وتزجه في الفرن بعد أن تقطعه  إلى مربعات , أو مثلثات ,  تزين بها الطبق الملون بكل أناقة  .

وضعته على الطاولة مع كأس من عصير البرتقال , و طبق من الفطائر المقلية , و سارعت ترتدي فستانها الجديد   , و تضع قليلا من أحمر الشفاه , ثم تزيد من كثافة رموشها بقليل من (الماسكرا) ،  و ترتدي قرطها الذي تعبت , و أتعبت البائع في البحث عن لونه الذي يطابق لون الفستان تماما .

أعلمها صوت مفتاحه بوصوله ,  فسارعت لترش عطرها الهادئ  ,  خلف أذنيها ,  و عند مكان النبض في معصميها ,  و لتقترب من الباب مرحبة مسلمة ، كان قد وصل عند المائدة ,  يبتسم للأطباق  , عندما دخلت الغرفة :

-         كيف حالك ؟

-         بخير ، سلمت يداك ، أطباق شهية .

-         شكرا .

أسرع يستبدل ملابسه , و جلست مع كوب نعناعها ، و هي تتأمل سروره بأطباقها ، و تستمتع بمتعته , و هو يتناولها بشهية .

أمسك كعادته جهاز التّحكم ,  و بدأ بتقليب المحطات ,  مكتفيا بمصافحة بصره  – لكل قناة –  لثوان معدودات , ثم لينتقل إلى غيرها مسرعا،

مضى الوقت أمام محطّة للأخبار ، ثم غادر غسّان الغرفة  ، دون أن يتنبه إلى تطابق لون قرطِها مع لون الفستان ,  و دون أن يستمع إلى قصة الغريب منها .

عادت إلى كرسيها أمام الحاسوب  , فتحت صفحة بريدها الإلكتروني  , فتحت الرسالة ,  ابتسمت للوردة .

…………………………………………………

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شحوب – قصة قصيرة

25 أبريل 2009

99

 

- شحوب

 

 

أغلقت الباب ، أسندت ظهرها إليه ،أغمضت عينيها ، أخذت تتمتم أدعية و أذكار الحفظ و الحماية.
جرت نفسها جرا إلى المقعد الذي سيحتويها حتى عودته .

منذ مدة و هي لا تقوى على الحراك  , و هو في الخارج   ,  تزورها  الأوهام , و الخيالات في غيابه  , فتقعدها , و تشل حركتها ..

خُيل إليها أن يعود يوما كما عاد قريب لهم , و قد ثقبت رصاصة صدره .
أو كما عاد ابن الجيران  , و لون أحمر يصبغ جسده الناحل .
لم يعد الخروج آمنا وسط هذا الهول من النزف و الدمار
-
ما بالها بغداد ما عادت تلك الحبيبة ؟!
ما بالها أذنت للأفاعي أن تلدغ من كانوا يوما أحبابها ؟!
-
اللهم أعده إلي سالما ..
و يزداد مع مرور الدقائق شحوب محياها , أطرافها الباردة تمنعها حتى من إعداد طعام , أو كنس منزل ما عاد أي من أركانه يغريها بتزيينه ..
عاد فخارت منها القوى ..
  -
لن أحتمل خوفي عليك ..لنهجر بغداد ..أو ستهجر الروح مني الجسد بلا شك
  -
أنغادر و فيها الأهل و الأحباب؟
  -
أنت الآن كل أهلي , و كل من لي من الأحباب  , ما عدت أطيق ارتشاف الهم , كلما هممت بإغلاق الباب دونك..
 -
إنما هي الأقدار , و لا بد من أن يصيبنا قدرنا أينما كنا  .
-  
  لست أحتمل عيني ,  دون نور من عينيك  , و لتقطع مني اليد  , إن لم تحتويها يديك , أكاد لا أقوى هنا على الحياة .

-         سنغادر .. أجل سنفعل.. ليست تقر عيني ,  و أنا أرى ما تعانين , و لست محتملا شحوب وجهك الجميل ,  و ذبول شبابك الغالي ، سأعد أوراق السفر .


قطرات من الحياة ,  بدأت تسري في حنايا القلب ..
أن يبقى لها  , فذاك جل ما تصلح به حياتها.. و إلا فما معنى البقاء من دونه.

أعدت ما يلزم بخفة
سيعود في أمان.. و لن تخشى ظلام الليل أن يطول..
كان السفر ليلا , و مع إشراق الشمس في أرض الشام  ,عاد لون الورود إلى خديها , و كأنها تنسمت رياح الحياة .
أيام قليلة مضت , تنعم فيها بالأمان و السرور .
طيف الأهل هناك ,  بدأ ينادي قلب المحبين ,  أن ما زلنا ببغداد ,  و الأفاعي هناك تجول .

-         كم ذا يعلوا نداؤك يا بغداد ؟
بجسده فقط كان معها ,  و الروح منه تهيم في شوارع الحبيبة .
انتقل حزنها إلى عينيه , و تلك أثار الشحوب في خديه .
أيشقى  , و تسعد بامتلاكه .. و كيف لقلبها أن يرضى له العذاب.. ذاك هو المحال
 -
لنعد إلى بغداد ..

ابتسم .. أكملت :

-  لنواجه العقارب ,  و الأفاعي بصدورنا هناك , لأقرأ لك كل يوم أذكار الحماية  , و لأضع بعض المساحيق على شحوبي , في أرضك الحبيبة .

 

 

 

…………………………………………………………

 

تلميذة الرومان

24 أبريل 2009

d8b1d98ad8b4d8a9

 

 

 

                                       -  تلميذة الرومان

 

 

 

لم يتصور مصعب الخير يوما , أن تهواه تلميذة لأوفيد ، لم يكن ليعلم و هو من طلق الدنيا أن ابنة الدنيا.. تلميذة الروماني … ستكون مع حبه على موعد , بعد ألف  , و مئات من السنين .
كنت تقرأ اسم أوفيد محفورا على حركاتها ، و سكناتها  ، و ابتسامتها..
كل ما فيها يشير إلى صانعها  ، و أستاذها ..
كم أجادت دروسه  , و أتقنتها  ،  كم أمالت عن الصواب قلوبا ..
و عرفت الفتى العَطِر    ،  تنشقت  ،  أدركت , و هي الخبيرة سحره ، و كم يفوق جودة ما كانت تعرفه , و يجلب لها .
أحبت الفتى أصيلا منعّما ، بدأت تتبعه في طرقات مكة   ،  غير آبهة للهيب الحجارة تحت قدميها .
تتنسم عطره البديع  ، تتنعم بأصله النبيل  ، و جمال طلعته .
دخل مصعب دار الأرقم  ، و دخلت معه ..
جلس بخشوع أمام معلم الخير عليه الصلاة و السلام , و جلست تلميذة الروماني  .

 بكى مصعب حبا  ،  و بكت توبة ..
أسلم مصعب في دار الأرقم  ، و أسلمت .
طلق الدنيا هناك  ، و طلقت أوفيد .
أرسله المصطفى داعيا إلى المدينة  ،  فأعدت حقيبتها مسرعة .
تركت زجاجات باريسية   ، كل الأصباغ ,  و الحلي   ،  كل أثواب الفتنة ..
و ديوان أوفيد ملقى  , يستعر غيظا .
في بيوت المدينة ,  أسلمت مع كل قلب هداه مصعب ، و عاشت معه تتعلم فن الدعوة .
يوم الهجرة ,  كان قلبها مع  الواقفين  يحلق عاليا  , تنظر إلى فرحة مصعب  ، و تبكي فرحا .
عاشت رومانية الطباع في المدينة مع مصعب ، تزور بيت عمر  , و تتهيبه ، تتعلم فنون الحرب من خالد  ، و أصول الإنفاق من عثمان .

عاشت مع أهل الصفة سعيدة  ، و عاد أوفيد إلى بلاده يائسا .
في أحد كانت هناك   ، تنظر إلى فتاها الشهيد  ، تحاول تغطيه قدميه و رأسه معهم فلا تفلح . 
و دمعت لدمع الحبيب على مصعب .
نادت
- لمن تتركني ؟
أشار الفتى المعطر بريح أهل الجنة :
- إلى معلم الناس الخير .
أسرعت تقبل من تحت قدميه الشريفتين التراب  ، تعيش قربه ,  و تحفظ الكتاب الكريم .
و لأنها تحب العطور ,  فقد احتفظت لنفسها بزجاجة  , جمعتها من جراح الشهيد .
و ما تزال تأمل لقياه يوما  ، و تأمل بعطر الشهادة  , من جرحها هي , كما فعل مصعب .

 

………………………………………………

 

أوفيد : شاعر الحب و الجمال في روما .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

22 أبريل 2009

حلوى و قهوة و ياسمين

 

 jasm_sa1

 

كانت ترفل في ثوبها الأزرق ، و حذائها الأنيق ، تسير نحو الجمع ، وهي تحمل الصينيّة المذهبة  المفضلة لديها ، و بين الفناجين تنثر زهرات الياسمين .
كما هي عادتها منذ ثلاثين سنة   ، لم تقدم القهوة يوما إلا مع أزهار الياسمين .
لعل في شكلها نوعا من التغيير  ، و لكنها ما تزال تحمل تلك الروح المرحة ، و تعتني ببشرتها و شعرها ، تشتري لنفسها و لبناتها العطور المترفة  ، و الكل يعجبه ذوقها  الفريد .
كُثر هم أحبابها ، هو ، و الأولاد  ، و الزهور  ،و منزلها ..   و الكل يشتاق لمساتها اليومية  .
أقبل الجمع على القهوة ,  دارت معها  أحاديث الذكريات , و فاحت عطور ياسميناتها بين كلماتهم .
علت أصوات ضحكاتهم ، بحثوا عن أنفسهم بين طيات الزمان هنا ,  و بحثت عينها عنه .
مسحة الحزن في عينيه ,  تلهب نار قلبها ، و تعرف  , و يعرف نفسه  في حديث الذكريات .
كان في قلوبهم السند , و الملجأ  الآمن الحصين ،  و لكن أسوار الحصن وهنت كوهن العظم , و برد الحصن .
ما عادت يده القوية   تعرف وحدها كيف تثبت قبعة أميرته الصغيرة ،
و ما عادت حكايته الممتعة ,  تخفف بأس الحمى أيام المرض .
حتى قطعة الحلوى  التي اشتراها للأميرة أمس أخافتها ، ثم قدمتها لطفلتها .
- لعلها تخشى على رشاقتها
كبر من كانوا أفراخه , و غادروا المكان  .
وحدها من بقيت تسقي الحب للجميع   بكوبها المغزول من نسيج قلبها الفاخر .
طعامها اللذيذ .. قهوتها مع الياسمين .. ذوقها الرفيع .. و قلبها الكبير .
ما وجد له مكانا بينهم , غادر إلى غرفته تشيعه أصوات صخبهم  ، و أطفالهم , و حزن عينيها  .
استلقى في سريره  ، وغرق مجددا في كتبه .
اقتربت حفيدته من السرير..
أسندت خديها بيديها الصغيرتين  ، و ابتسمت له , أزاح النظّارة عن عينيه ، و ابتسم لوجهها الجميل .
- تماما كابتسامة الأميرة !
مسح شعرها اللامع بيده  , ابتسمت , قبلت وجنته بحب .

سألته بلهفة :
-
 جدي ؟
-
 نعم يا حبيبتي ؟
-
هل تعطيني الحلوى  , كما أعطيت أمي ؟

 

……………………………………………………………………………………