لعبة الجيران – قصة قصيرة
26 يناير 2010
نشرت في موقع رسالة المرأة في
4 أغسطس 2009
هنا الرابط
http://www.womanmessage.com/articles.aspx?cid=3&acid=37&aid=10425
كانت التحضيرات لتلك اللعبة تبدأ قبل يوم كامل على الأقل من ساعة الصفر , فقد كنت في السابعة من عمري و أختي التي تكبرني بعام واحد , و خالتي التي تكبرها بعام أيضا نحتفظ بطقوس خاصة للعبتنا المفضلة , و التي كنا نسميها ( لعبة الجيران ) .
فقد كان يتمُّ تقسيم الغرفة الخاصة بنا إلى ثلاثة منازلَ مستقلة , و إلى سوق للخضروات و المأكولات و الملابس , و إلى أماكن للعمل الذي سنكون موظفات فيه , و قبل موعد اللعبة بيوم كامل كنا نقطّع الورق الأبيض إلى قطع متساوية , و نكتب عليها أرقاما تماثل نقود الكبار , و من ثم نودعها المصرف الذي سنأخذ منه أجرنا بعد العمل , و نقوم بترتيب المكعبات و الألعاب الصغيرة الحجم على طاولة الدراسة , و نكتب على كل مجموعة منها اسم الصنف الذي يشبهها, فيتوفر لدينا الكثير من الأنواع المختلفة من اللحوم و الخضراوات و المواد التي تلزم البيوت جميعا .
و كانت الخزائن تُفرغ من الملابس على آخرها و تكوم الملابس على الكراسي استعدادا لرحلات التسوق التي سنقوم بها .
و لم نكن ننسى أبدا أن نقطع أوراقا بحجم صغير للغاية و نتركها في طبق عميق مع القليل من الماء و نقص أوراقا بشكل مربعات لتكون لنا كما ورق العنب و الأوراق الصغيرة المنقوعة بالماء هي الحشو المعدّ لها .
و كنا نستيقظ قبل الفجر لنبدأ تلك الّلعبة الممتعة , و نمارس فيها حياتنا كما الكبار , فنستيقظ لنُنَظف و نُرتبّ بيوتنا الصغيرة جدا , و نشربُ قهوةَ الصباح, و نقوم بعدها بتبديل ملابس ألعابِنا أو أولادِنا الصغار كما نتخيّلهم و نوصِلهم للروضة و نحن نحمل حقائب تحتوي على فوط إخوتنا الصغار وأشيائهم الأخرى كالبودرة و زجاجات الرضاعة و الملابس المتنوعة , و نتوجه بعدها نحو أعمالنا لنضع نظاراتنا الشمسية الصغيرة على عيوننا كما يفعلون , و بالكاد كنا نرى ما نقوم به من أعمال كتوقيع الكثير من الأوراق بمتعة لا توصف و كما يفعل المُدراء في المسلسلات التلفزيونية تماما , و قد كنا نحتفِظ بتلك الأوراق خصّيصا لتحمِل تواقيعنا المحترمة , و من ثم لا نعلم من الذي يقرر نهاية الدوام, فنخرج لنتسلَّم رواتبنا من المصرف , و نقوم بالتسوق في طريق عودتنا فنشتري ما لذّ وطاب من المأكولات و الأغراض التي نحتاجها , و نأتي بالأولاد للمنزل , و نحضِّر طعام الغداء المكون من بعض المكعبات التي تجمعها أطباقنا الصغيرة الملونة, ثم نذهب بالألعاب إلى القيلولة حيث يمكننا وقتها غسل الملابس و نشرها على الحبال التي نشَكّلها من أحزمة ثيابنا و نربطها بأبواب الخزائن و من ثم نكويها بما نتخيله مكواة كهربائية , و نغسل أطباقنا الحلوة دون تذمر .
وقد نقوم بزياراتٍ بعد العصر – حسب توقيتنا طبعا – لبيوت بعضنا , و تعد من أجل الزيارة صاحبة البيت طعام الضيافة و القهوة, و من ثم نعود في المساء لنقوم بشُغل الصوف أو لف ورق العنب أمام التلفاز و نحن نتناول المكسرات و نشرب العصير من كؤوس لا تتجاوز عقلة الإصبع و كانت الأمور تجري بانسيابية و روعة و لم نكن نشعر بالوقت حتى تبدأ والدتي بطلب أدوات المطبخ التي افتقدتها, و التي تحتاجها لإعداد وجبة الفطور و كنا نشعر وقتها أننا فقدنا خصوصيتنا , و أن هناك من اقتحم علينا عالمنا السحري , فكنا نبدأ بإرجاع الأشياء إلى مكانها بتثاقل شديد و قد انتهى وقت لا يقدّر بثمن .
حفاظا على العرش – قصتي المنشورة في مجلة حياة للفتيات
6 يناير 2010
حفاظاً على العرش ..
لم تستطع تلك الدعوة التي تلقتها لحضور حفل العرس أن تسعدها هذه المرة , بل شعرت أنها في ورطة حقيقية , فظروف زوجها و ضائقته المالية في أوجها , و هذه الحفلات و ما يتبعها من ملابس باهظة الثمن و إكسسوارات و حليّ غالية تحتاج ما لا تملكه في هذه المحنة التي تعصف بها .
كانت أناقتها تحظى باهتمام كبير منها رغم أنها لم تكن تسعى إلى لفت الأنظار إليها , و لكنّ اهتمامها بالجميل و الجديد كان كفيلا بجذب أنظارهنّ نحوها , و دفعها مضطرة للاشتراك في تلك المنافسات المستعرة التي تدور حولها, فكان أن توِّجت ملكة عليهن دون منازع .
لم يكن ليسهل عليها التنازل عن عرشها الجميل عندما تذهب للحفل بفستان يعرفه الجميع هناك , و لم يكن الاعتذار عن الحضور بالفكرة الصائبة في هذا الوقت , فهو بمثابة إعلان صامت عن أزمة تمر بها , و ستكون حتما في مرمى ألسنتهن و مجال تندرهن و شفقتهن المخادعة .
وقفت حائرة أمام خزانتها المكتظة بما لم يرضها , و راحت تتمعن في ملابسها لتنتقي ما ينفع للحفاظ على مكانتها .
كان فستانها الأسود الكلاسيكي الهادئ و الموقع باسم مصمم معروف مستعدا لنجدتها كما في كل مرة تضيق بها السبل فلا تعرف ماذا ترتدي , و كان هو الصديق الوفي الذي لا يخيّبها, و هو السهل الممتنع , و الموضة السنوية الراسخة في عالم الأزياء الذي لا يكف عن التبدل و التغيّر , فقد اعتبر رمزا للأناقة النسائية منذ أن قامت ( كوكو شانيل ) بتصميمه في عام ألف و تسع مائة و ست و عشرين , و تربع دوما في أعلى قوائم المجموعات التي يطلقها المصممون العالميون .
و قد عملت هي بنصيحة قرأتها للمصمم الراحل( كريستيان ديور) قال فيها ” أنه أهم قطعة يجب أن تمتلكها المرأة ” فاختارت فستانا أسود بقماش فاخر و خياطة رفيعة و قصة تشبه إلى حد ما شكل فستان الشوال الإنكليزي المعروف , و ممهورا بتوقيع صاحبه الشهير , و تعمدت أن يكون بلا أكمام ليناسب أيام الحر, و اشترت شالاً أسود من الصوف الخفيف لتلبسه معه عندما يكون الجو باردا .
قضت يوما كاملا في التسوق بحثا عما تتحايل به على فستانها الناعم لتضفي عليه شكلا جديدا و متميزا . و عادت إلى المنزل بحزام جلدي عريض أسود لامع و متقنٌ جدا من محل راق تعرفه , و عقد ضخم من اللآلئ الكبيرة الحجم و التي لا يمكنها أن تعطي انطباعا بأنها أصلية , و كانت قد تعمّدت شراءها بهذا الحجم الكبير بعدما رأت مثلها معلقة على رقبة ( ميشيل أوباما ) زوجة الرئيس الأمريكي , و في فترة الانتخابات تحديدا , و قد أكد الجميع أن من المستبعد أن تكون تلك اللآلئ أصلية , و هذا ما أشارت إليه يوما المصممة ( شانيل )حين قالت : ” لا يفترض بالمجوهرات أن تجعلك تبدين ثرية , بل المطلوب منها أن تجمِّلك , و هما أمران مختلفان” و قد اقتنعت بالفكرة تماما و كان أن تجرأت على ركنِ ذهبها في علبة الموزاييك , و راحت تقتني ما يحلو لها من مجوهرات تقليدية بأحجام كبيرة و صغيرة و بمختلف الأشكال و الألوان التي تناسب ما لديها من ملابس .
منذ الصباح بدأت ببرنامج العناية المنزلية ببشرتها , فقامت بوضع قناع البيض و العسل و خليط من زيت الزيتون و زيت الجزر على وجهها لساعة كاملة, و بعد غسله راحت ترشه بماء الزهر كل حين , و من ثم وضعت مستحضرا من خلاصة الشاي الأخضر و زهر البابونج و تركته حتى المساء .
و قبل الموعد بساعة أكملت ماكياجها الخفيف و قد اختارت له اللون الرمادي الساحر , و تركت شعرها ينساب بحرية دون أن تفكر في الذهاب إلى صالون تجميل استكمالا لمظهرها الناعم .
ارتدت فستانها المحافظ و شدته بالحزام الجلدي اللامع , ثم تقلدت عقدها الضخم , و سوارا من الكريستال الأسود تتدلى منه بعض الأحجار من اللون نفسه و بأحجام مختلفة , و اختارت حذاء أسود بكعب عال رفيع , و وشاح من الساتان الطويل , وحملت حقيبتها السوداء الصغيرة المرصعة بماسات رقيقة و المغلفة بالدانتيل الأسود , وقرأت على نفسها آيات الحفظ و أذكار الحماية قبل أن تغادر نحو الغرفة التي يجلس فيها زوجها معلنة استعدادها للذهاب إلى الحفل .
ترك زوجها كتابا كان يتصفحه , و نظر بدهشة نحو الجمال الذي لم يكلفه شيئا مما كان يتكبده من أموال طائلة أيام الرخاء , ابتسم و قد أعجبه صمودها و قدرتها على تدبّر أمرها دون أن تذيقه الأمَرّين كما كانت تفعل عندما تستعد لمثل هذه المناسبات .
دخلت الحفل بثبات و ثقة , أحاطتها نيران العيون الكحيلة , ابتسمت و قد أدركت أنها أشعلت المنافسة بقوة , و أنها حصلت على العرش مرة أخرى و بجدارة لتميّز شكلها , و اختلافها الأنيق عن الأخريات .
لم تغرها أقمشة أثوابهن المهفهفة و المثقلة بالأحجار الساحرة , و لم تفتنها تسريحات شعورهن المعقدة التي ترزح تحت وطأتها رؤوسهن الجميلة .
فقط اكتفت بابتسامة ثقة أرسلتها للجميع , و راحت ترتشف قهوة العرس بهدوء ,و تشكر بحب صديقها الوفي الأنيق .
التشيؤ
1 يوليو 2009

ارتدت بنطال الجينز المطرز بالخيوط الوردية , و تلك البلوزة الوردية القصيرة , و حذاءها الرياضي المزين بالورود الصغيرة , و تركت شعرها الكستنائي ينساب تحت قبعتها الواقية من الشمس , و التي طالما رفضت ارتداءها , في الأيام العادية , و لكنها اليوم لم تكن كعادتها مطلقا , لقد كانت تعيش لحظات استثنائية و هي تستعد للذهاب مع والدها إلى بيت منير ,
كانت الزيارة حلما يراودها منذ أن لمحت عيناها لوحته التي أهداها لوالدها , و التي يصور فيها عمودا من خشب له شكل امرأة تحمل طفلها .
كانت تجلس أمام اللوحة طويلا , و تعيش مع عالم الألوان الزيتية فيها , تحلم بامتلاكها تلك الألوان , وامتلاكها لمرسم خاص بها , و تشعر بلذة نشر اللون على القماش المشدود , و ربما تحلم بأن تهدي لأصدقائها لوحاتها البارعة .
و كم سألت والدها قائلة :
- ما اسم هذه اللوحة يا أبي ؟
فكان يجيبها بابتسامة , و هو يرى حنينها للألوان و شوقها لإنجاز يماثل لوحات منير :
- اسمها التشيؤ يا حلوتي .
لم تكن لتهتم للاسم , أو المعنى الذي لم تفهمه , كانت متأكدة أن لمنير كما لكل الناس فلسفتهم الخاصة , و لربما شعرت أنه كان يعاني وقتها من غربة عن البشر , فرأى الناس يومها كما الأشياء .
رغبة ملحة للقائه حلت بها , فكانت ترجو والدها أن تكون معه , في زيارته لبيت منير , وكاد الحلم أن يصبح حقيقة .
بضع دقائق فقط تفصلها عن رؤية منزل منير , أو مرسمه , كادت تطير من الفرحة , و هي تدخل تلك الحديقة الجميلة التي تسبق باب المرسم , و ترى كل تلك المنحوتات الرائعة التي زين بها منير حديقته , و قام بتوزيعها بين زهوره الساحرة , راحت تحدث نفسها :
- سيكون لمرسمي مثل هذه الحديقة , و سأنثر المنحوتات بين زهوري تماما كما تفعل أنت يا أستاذ منير .
دخلا على المرسم أخيرا , كان قلبها يخفق بشدة , و هي ترى تلك الكميات الكبيرة من اللوحات , الأطر الفارغة , الكثير الكثير من الفراشي , الألوان الزيتية , حوامل الألوان الخشبية الكبيرة و الصغيرة الممتلئة بالألوان , كانت كل تلك الصور في عينيها مع تلك الواجهة الزجاجية الكبيرة , أجمل من جميع مدن الأحلام , اقترب منير مصافحا والدها , و حياها بابتسامة , ابتسمت و هي تجلس حيث أشار لها , راحت تؤرجح قدميها الصغيرتين مستمتعة بكل ما حولها , و غير منتبهة لأي كلمة يقولها الرجلان .
دفع منير إليها بكأس كبيرة من ( الكوكا كولا ) , و داعبت أنفها رائحة قهوتيهما الرائعة , فعادت من رحلة خيالها إلى عالم الحقيقة بينهما .
سأله والدها معاتبا :
- ما عدنا نراك في جمعتنا يا منير ؟ فأين الغياب ؟
تنهد بأسى :
- ما عدت قادرا على رؤية البشر يا صديقي , و ما عادت حياتهم تغريني , فأصبحت أرسم ليلا , و أنام طول النهار .
أذهلها منطقه الغريب , لم تجد لشرابها بعده نكهته الأولى , و تخلت رائحة القهوة عن مداعبة أنفها الصغير , خرجت مع والدها صامتة واجمة , لم تلق على الزهور تحية من عينيها الشاردتين , ركبت السيارة بجانب والدها , سألها بود :
- هل سررت يا حبيبتي ؟
- لا يا أبي , أنا أحب الرسم و الألوان , و أحب أن أكون رسامة عندما أكبر , و لكن لن أكون مثل العم منير .
رفع الوالد حاجبيه دهشة , فاستمرت قائلة :
- أنا أحب نور الشمس يا والدي , و أحب الاستيقاظ في النهار , أحب الناس جميعا , و لا أريد أن أبتعد عنهم , أو أن أراهم كالأشياء
كانت لمسة
2 مايو 2009
كانتْ لَمسة

لمْ يكنْ اللقاء الأول الّذي جمعني بفراس _ في الصفِ الثاني الابتدائي _ مفرحاً لأيٍّ منا ,
مُدَرِّسة للرَسم , تَعني , دفترَ رسم ٍ , و علبة ألوانٍ , و التزام بإتمام الرسوم , و هو أمرٌ لا يكاد يطيقهُ الطالب المجتهدُ , فضلا عن طالب لا يبالي بالدراسة مثل فراس .
لمْ تكن تلك الندوبُ التي يحملها وجههُ تشجعكَ على التفاهمِ معه , و لم يكن صوتهُ القوي ُ , و صراخهُ في وجهِ رفاقه , يأذن لك بالحديث ِالناصح المنمق , كانَ فراس أمامي كتلةً صماء .
سبب لي وجوده بين زملائه مشكلة حقيقية , فهو لا يتوانى عن رَكل هذا , و ضربِ ذاك , و العبثِ بأقلامِهم و رسوماتهم , و رَبما رميَها بعيدا , لأجد الصف في لحظات و كأنه مستشفى للمجانين .
و لم أملك حلا لضمان مسير الدرس , إلا أن أقف بفراس على طاولتي , و أقدم له بعض أوراقي , و أستعير له أقلام التلوين , ثم آمُرهُ بالرَسم مع تقطيب الجبين ,و أحرص حينها على البحث عن مكان ما في لوحته , يحمل بصيص أمل , فأشجعه , و يبتسم هو بسرور .
و ما إن يلمح بصيص ابتسامتي , حتى ينطلق بحديثه الذي لا ينتهي , و كنت استمع بدهشة تارة , و أرغم نفسي على الاستماع تارة أخرى , في محاولة لجعله يفتح تلك الأبواب المغلقة بيننا .
شيئا فشيئا بدأت ملامح وجهي تتغير في مواجهة ذلك الوجه الصغير , و بدأت ألمح في زجاج عينيه ألوانا من البؤس , و من حديثه المتواصل أستشف الكثير من ألامه و معاناته , علمت أنه يتيم الأبِ منذ عامين و أن زوج والدته رجلٌ سكير , و رأيت بعضا من أثارِ غضبه على جسد الغلام الصغير .
أخبرني عن أولاد الحي و محاولاتهم المستمرة للشجار معه , و عن جوعه و إخوته الصغار ..
و لم أزد على تقديم قطعة سكر له , أو أكتفي بالاستماع دون تعليق ., كنت أريده رجلا فقط .
أكتفي بمسح شعره الإنصات إليه
دخلت الصف فوجدته قرب الطاولة , و دفتر رسم جديد ينتظرني , و ابتسامة , وعلبة تلوين , كنت أدرك جيدا أنه حرم نفسه من قطعة حلوى ليرضيني بما اشترى , وجدتني أشرح درس اليوم , و أسرع إليه , لأجده يرسم بتطور ملحوظ .
رفع رأسه نحوي مبتسما ينتظر كلمة مديح .
أحطت وجنتيه الصغيرتين بكلتا يديّ , ابتسمت , و قلت بفخر :
- أحسنت يا بطل
عاد يلون بسرعة , دون أن ينسى شروطي الصعبة , أقصد التي كانت يوما صعبة عليه.
- ألون باتجاه واحد و أملئ كامل الصفحة باللون ..
و كان نصيب اللوحة أن تعلق يومها في معرض المدرسة الدائم , وسط فرحة و بريق عيني الصغير.
في الصباح التالي دخلتُ المدرسة , و وجدته يقترب مني , رافعا يده مستعدا للمصافحة .
مددت يدي مبتسمة , فضرب بكفه على راحتي بقوة كما يفعل الأشداء , لاحظت شعرا مسرحا, ووجها يشع نظافة و ابتسامة عذبة .
قال و هو يساير خطواتي :
- كيفَ حالكِ اليوم يا آنسة ؟
……………………………
غياب الوردة الحمراء
2 مايو 2009
- غياب الوردة الحمراء

وردة حمراء , خلف الأذن اليسرى ، و فنجان قهوتها ، و فله بلدية في صحن الفنجان ..
و كأن ثلاثين سنة , لم تكن قد مرت من عمرها ، و هي تعيش حالة من ذكريات الصبا التي عادت إليها ، و هي تتابع حلقات مسلسل تلفزيوني يحكي سيرة العندليب ، و كأنها أمامه اليوم كما كان و كانت ..
تهيم به حبا ، و تقتني كل جديد له ، و تحتفظ بصوره على وريقات كراساتها , بعد أن تذيلها بأبيات غناها ، و عاشت معها ذهولا عن الدنيا…
سنين من عمرها قضتها , و هي تبكي شبابه الغائب ، و تذكر أيامها الحلوة ، و هي تعيش نجاحه ، و قلبها الفتي يخفق لصوته الأنيق .
و كم كانت تفخر , لأنها أورثت بناتها حب ما قال ، و غنى ، و ترفعت بذائقتهن عن الطرب الرخيص .
و حتى حينما حاولت أن تشق لها طريقا بين الصالحين ، و أن تعكف على تلاوة القرآن الكريم ,أمر واحد ما زالت تعاني ولعها به ، و حبها له ، و تسأل الله أن يكف يدها عن مكتبتها , التي جمعت فيها اسطوانات , و صور , و كتب تحكي سيرته ، و حبها له .
و بين الحين , و الحين كنت تراها مع صوته ، ووردة حمراء خلف الأذن اليسرى ، و فنجان قهوتها ، و فله في صحن الفنجان …
تابعت حلقات المسلسل بشغف ، و ألغت كل المواعيد ، و سرور وردتها الحمراء كبير بخروجها من صندوق الموزاييك ، و جلوسها مجددا مع رشة عطر خلف الأذن اليسرى ، رغم بعض التجاعيد ..
و كلما حان موعد العرض , عاد البريق إلى عينيها ، ووردة حمراء خلف الأذن اليسرى.. و فنجان قهوتها.. و فلّة بلدية في صحن الفنجان .
أَمرٌ ما في سيرتهِ أخفى ذاك البريق …
و تصرفٌ ما - قامَ به – غيّب الوردة الحزينة في صندوق الموزاييك…
و اكتشافها لصفاتٍ في شخصه ، رَحمَ الفل البلدي من الموتِ في صحن الفنجان …
أغلقت المكتبة حينها بإحكام …
و جاءت الحلقة الأخيرة , لتبحث ، و تسأل عنها ، و عن وردة حمراء خلف الأذن اليسرى ، و فنجان قهوتها ، و فلة بلدية في صحن الفنجان .
رسالة – قصة قصيرة
1 مايو 2009
- رسالة
كانت عقارب السّاعة تقترب من العاشرة مساءً، عندما جلست زينة إلى حاسوبها , و أدارت زرّ التشغيل مُسرعة ، لتشهد وصول تلك الرّسالة اليوميّة إلى بريدها الإلكتروني ، كانت تدهشها تلك الدّقة في وصولها اليومي .
لم تكن تعيرها اهتماما في البداية , و ربما حذفتها مرارا دون أن تفتحها ، و لكن عنوانها الموحد ووصولها في تمام العاشرة مساء كل يوم ، جعلها تتنبه لها , و قد كتبت في خانة المرسل (مجهول).
بضعة أبيات من شعر ابن زيدون ، و وردة ، كانت كل ما تحمله تلك الرسالة الالكترونية .
لم تعد تمتلك تلك التقطيبة التي قابلت بها الحرف و الصورة في البداية ، بل بدأت تلمح ابتسامة على محياها عندما يلتقي بصرها بما تحمله من حروف وورود .
و لم تحدّثها نفسها بالرد على (مجهول) هذا ، مرة واحدة فقط رأت أن تخبره أن رسائله تصل بريدها ربما من باب الخطأ , ثم تجاهلت الأمر .
- من هو هذا المجهول يا ترى ؟
أهو شاب أو فتاة أخطأ إلى بريدها الخطا ؟
أتراه سمج يريد اختبار قوة احتمالها ؟
لا بأس فلديها من القدرة على الصّبر و التّحمل فوق ما سيتخيل .
قرأت أبيات الشّعر ، ابتسمت للوردة ، أغلقت حاسوبها ، غادرت نحو المطبخ , لتعود بعد برهة , و هي تحمل طبق( الفتوش) الذي طلبه غسّان منها و الذي تَبرع هي في إعداده , فتقوم بتقطيع الخضار بدقة بالغة , ثم تعمل على طلاء الخبز( بصلصتها) المكونة من الليمون , و الزيت البلدي , و الثوم , و رشة من النعناع المجفف , وتزجه في الفرن بعد أن تقطعه إلى مربعات , أو مثلثات , تزين بها الطبق الملون بكل أناقة .
وضعته على الطاولة مع كأس من عصير البرتقال , و طبق من الفطائر المقلية , و سارعت ترتدي فستانها الجديد , و تضع قليلا من أحمر الشفاه , ثم تزيد من كثافة رموشها بقليل من (الماسكرا) ، و ترتدي قرطها الذي تعبت , و أتعبت البائع في البحث عن لونه الذي يطابق لون الفستان تماما .
أعلمها صوت مفتاحه بوصوله , فسارعت لترش عطرها الهادئ , خلف أذنيها , و عند مكان النبض في معصميها , و لتقترب من الباب مرحبة مسلمة ، كان قد وصل عند المائدة , يبتسم للأطباق , عندما دخلت الغرفة :
- كيف حالك ؟
- بخير ، سلمت يداك ، أطباق شهية .
- شكرا .
أسرع يستبدل ملابسه , و جلست مع كوب نعناعها ، و هي تتأمل سروره بأطباقها ، و تستمتع بمتعته , و هو يتناولها بشهية .
أمسك كعادته جهاز التّحكم , و بدأ بتقليب المحطات , مكتفيا بمصافحة بصره – لكل قناة – لثوان معدودات , ثم لينتقل إلى غيرها مسرعا،
مضى الوقت أمام محطّة للأخبار ، ثم غادر غسّان الغرفة ، دون أن يتنبه إلى تطابق لون قرطِها مع لون الفستان , و دون أن يستمع إلى قصة الغريب منها .
عادت إلى كرسيها أمام الحاسوب , فتحت صفحة بريدها الإلكتروني , فتحت الرسالة , ابتسمت للوردة .
…………………………………………………
شحوب – قصة قصيرة
25 أبريل 2009

- شحوب
أغلقت الباب ، أسندت ظهرها إليه ،أغمضت عينيها ، أخذت تتمتم أدعية و أذكار الحفظ و الحماية.
جرت نفسها جرا إلى المقعد الذي سيحتويها حتى عودته .
منذ مدة و هي لا تقوى على الحراك , و هو في الخارج , تزورها الأوهام , و الخيالات في غيابه , فتقعدها , و تشل حركتها ..
خُيل إليها أن يعود يوما كما عاد قريب لهم , و قد ثقبت رصاصة صدره .
أو كما عاد ابن الجيران , و لون أحمر يصبغ جسده الناحل .
لم يعد الخروج آمنا وسط هذا الهول من النزف و الدمار …
-ما بالها بغداد ما عادت تلك الحبيبة ؟!
ما بالها أذنت للأفاعي أن تلدغ من كانوا يوما أحبابها ؟!
-اللهم أعده إلي سالما ..
و يزداد مع مرور الدقائق شحوب محياها , أطرافها الباردة تمنعها حتى من إعداد طعام , أو كنس منزل ما عاد أي من أركانه يغريها بتزيينه ..
عاد فخارت منها القوى ..
-لن أحتمل خوفي عليك ..لنهجر بغداد ..أو ستهجر الروح مني الجسد بلا شك
-أنغادر و فيها الأهل و الأحباب؟
-أنت الآن كل أهلي , و كل من لي من الأحباب , ما عدت أطيق ارتشاف الهم , كلما هممت بإغلاق الباب دونك..
-إنما هي الأقدار , و لا بد من أن يصيبنا قدرنا أينما كنا .
- لست أحتمل عيني , دون نور من عينيك , و لتقطع مني اليد , إن لم تحتويها يديك , أكاد لا أقوى هنا على الحياة .
- سنغادر .. أجل سنفعل.. ليست تقر عيني , و أنا أرى ما تعانين , و لست محتملا شحوب وجهك الجميل , و ذبول شبابك الغالي ، سأعد أوراق السفر .
قطرات من الحياة , بدأت تسري في حنايا القلب ..
أن يبقى لها , فذاك جل ما تصلح به حياتها.. و إلا فما معنى البقاء من دونه.
أعدت ما يلزم بخفة
سيعود في أمان.. و لن تخشى ظلام الليل أن يطول..
كان السفر ليلا , و مع إشراق الشمس في أرض الشام ,عاد لون الورود إلى خديها , و كأنها تنسمت رياح الحياة .
أيام قليلة مضت , تنعم فيها بالأمان و السرور .
طيف الأهل هناك , بدأ ينادي قلب المحبين , أن ما زلنا ببغداد , و الأفاعي هناك تجول .
- كم ذا يعلوا نداؤك يا بغداد ؟
بجسده فقط كان معها , و الروح منه تهيم في شوارع الحبيبة .
انتقل حزنها إلى عينيه , و تلك أثار الشحوب في خديه .
أيشقى , و تسعد بامتلاكه .. و كيف لقلبها أن يرضى له العذاب.. ذاك هو المحال
- لنعد إلى بغداد ..
ابتسم .. أكملت :
- لنواجه العقارب , و الأفاعي بصدورنا هناك , لأقرأ لك كل يوم أذكار الحماية , و لأضع بعض المساحيق على شحوبي , في أرضك الحبيبة .
…………………………………………………………
تلميذة الرومان
24 أبريل 2009

- تلميذة الرومان
لم يتصور مصعب الخير يوما , أن تهواه تلميذة لأوفيد ، لم يكن ليعلم و هو من طلق الدنيا أن ابنة الدنيا.. تلميذة الروماني … ستكون مع حبه على موعد , بعد ألف , و مئات من السنين .
كنت تقرأ اسم أوفيد محفورا على حركاتها ، و سكناتها ، و ابتسامتها..
كل ما فيها يشير إلى صانعها ، و أستاذها ..
كم أجادت دروسه , و أتقنتها ، كم أمالت عن الصواب قلوبا ..
و عرفت الفتى العَطِر ، تنشقت ، أدركت , و هي الخبيرة سحره ، و كم يفوق جودة ما كانت تعرفه , و يجلب لها .
أحبت الفتى أصيلا منعّما ، بدأت تتبعه في طرقات مكة ، غير آبهة للهيب الحجارة تحت قدميها .
تتنسم عطره البديع ، تتنعم بأصله النبيل ، و جمال طلعته .
دخل مصعب دار الأرقم ، و دخلت معه ..
جلس بخشوع أمام معلم الخير عليه الصلاة و السلام , و جلست تلميذة الروماني .
بكى مصعب حبا ، و بكت توبة ..
أسلم مصعب في دار الأرقم ، و أسلمت .
طلق الدنيا هناك ، و طلقت أوفيد .
أرسله المصطفى داعيا إلى المدينة ، فأعدت حقيبتها مسرعة .
تركت زجاجات باريسية ، كل الأصباغ , و الحلي ، كل أثواب الفتنة ..
و ديوان أوفيد ملقى , يستعر غيظا .
في بيوت المدينة , أسلمت مع كل قلب هداه مصعب ، و عاشت معه تتعلم فن الدعوة .
يوم الهجرة , كان قلبها مع الواقفين يحلق عاليا , تنظر إلى فرحة مصعب ، و تبكي فرحا .
عاشت رومانية الطباع في المدينة مع مصعب ، تزور بيت عمر , و تتهيبه ، تتعلم فنون الحرب من خالد ، و أصول الإنفاق من عثمان .
عاشت مع أهل الصفة سعيدة ، و عاد أوفيد إلى بلاده يائسا .
في أحد كانت هناك ، تنظر إلى فتاها الشهيد ، تحاول تغطيه قدميه و رأسه معهم فلا تفلح .
و دمعت لدمع الحبيب على مصعب .
نادت
- لمن تتركني ؟
أشار الفتى المعطر بريح أهل الجنة :
- إلى معلم الناس الخير .
أسرعت تقبل من تحت قدميه الشريفتين التراب ، تعيش قربه , و تحفظ الكتاب الكريم .
و لأنها تحب العطور , فقد احتفظت لنفسها بزجاجة , جمعتها من جراح الشهيد .
و ما تزال تأمل لقياه يوما ، و تأمل بعطر الشهادة , من جرحها هي , كما فعل مصعب .
………………………………………………
أوفيد : شاعر الحب و الجمال في روما .
حلوى و قهوة و ياسمين

كانت ترفل في ثوبها الأزرق ، و حذائها الأنيق ، تسير نحو الجمع ، وهي تحمل الصينيّة المذهبة المفضلة لديها ، و بين الفناجين تنثر زهرات الياسمين .
كما هي عادتها منذ ثلاثين سنة ، لم تقدم القهوة يوما إلا مع أزهار الياسمين .
لعل في شكلها نوعا من التغيير ، و لكنها ما تزال تحمل تلك الروح المرحة ، و تعتني ببشرتها و شعرها ، تشتري لنفسها و لبناتها العطور المترفة ، و الكل يعجبه ذوقها الفريد .
كُثر هم أحبابها ، هو ، و الأولاد ، و الزهور ،و منزلها .. و الكل يشتاق لمساتها اليومية .
أقبل الجمع على القهوة , دارت معها أحاديث الذكريات , و فاحت عطور ياسميناتها بين كلماتهم .
علت أصوات ضحكاتهم ، بحثوا عن أنفسهم بين طيات الزمان هنا , و بحثت عينها عنه .
مسحة الحزن في عينيه , تلهب نار قلبها ، و تعرف , و يعرف نفسه في حديث الذكريات .
كان في قلوبهم السند , و الملجأ الآمن الحصين ، و لكن أسوار الحصن وهنت كوهن العظم , و برد الحصن .
ما عادت يده القوية تعرف وحدها كيف تثبت قبعة أميرته الصغيرة ،
و ما عادت حكايته الممتعة , تخفف بأس الحمى أيام المرض .
حتى قطعة الحلوى التي اشتراها للأميرة أمس أخافتها ، ثم قدمتها لطفلتها .
- لعلها تخشى على رشاقتها !؟
كبر من كانوا أفراخه , و غادروا المكان .
وحدها من بقيت تسقي الحب للجميع بكوبها المغزول من نسيج قلبها الفاخر .
طعامها اللذيذ .. قهوتها مع الياسمين .. ذوقها الرفيع .. و قلبها الكبير .
ما وجد له مكانا بينهم , غادر إلى غرفته تشيعه أصوات صخبهم ، و أطفالهم , و حزن عينيها .
استلقى في سريره ، وغرق مجددا في كتبه .
اقتربت حفيدته من السرير..
أسندت خديها بيديها الصغيرتين ، و ابتسمت له , أزاح النظّارة عن عينيه ، و ابتسم لوجهها الجميل .
- تماما كابتسامة الأميرة !
مسح شعرها اللامع بيده , ابتسمت , قبلت وجنته بحب .
سألته بلهفة :
- جدي ؟
- نعم يا حبيبتي ؟
- هل تعطيني الحلوى , كما أعطيت أمي ؟
……………………………………………………………………………………

