عِقدٌ فَريد

 

يؤَكّد المحاضِرون دائماً  ، على ضرورة إعدادنا لتلك القائمة الّتي تضع أهدافنا أمام أعيننا ، لتكون نقطةَ النهاية و التي ينطلق منها نور الطريق ، فنسير و أعيننا على الهدف  ، الذي سيبدو بها واضحاً محدداً جلياً .

و لطالما قمنا بإعدادِ تلك القوائِم ، و رصّعنا الورق بأهدافنا الكبيرة البرّاقة ، و بدأنا السير نحو تلك الأهداف  بجدٍ و التزامٍ  كبيرين ، فننشغل بتلك الأهداف وننسى أنّ هناك أهدافا تكمّلها ، و لا تتحقّق لنا السّعادة الكاملة إلا بها معا .

 قد لا يتَنبه الكثيرون ، أن الأحجار الكريمة الّرائعة ،  أو الماساتِِ المشعةِ ، لا تشكّل عِقدا فريدا وحدها ، بل لا بدّ من معادن ثمينة أخرى ،  تجمع الأحجار ، و الماسات في نظم مبدع  ، و تضْفي على الأحجار جمالا ، و تُبرز رونق الألوان فيها ,

و كما يخطف بريق الماس أبصارنا إليه  ، فننشغل بحسنه عن جمال الزّخارف  الذّهبية التي تكمّله  ، كذلك تفعل الأهداف الكبيرة في كثير من الأحيان  ، فتحجب ببريقها الأخّاذ عن أعيننا  أهدافاً تكمّلها ، و تجعلها أكثر أمانا  ، و تحقيقا للسعادة التي ننشد منها .

فتجد مثلا رجل الأعمال ، الذي حقّق الكثير من أهدافه الكبيرة ،  قد نسيّ في غمرة نجاحاته نفسهُ ،  فأهمل صحّته ، و اعتلّ بدنه ، يرافقه مرض القلب ،  أو السّكر ، و الضغط  ، و ربما تجده أيضا قد نسي صداقته  لزوجته ، و أهمل تربية أولاده  ،فخَفَتَ نورُ نجاحه  ، و امتزجَ بكثيرٍ منَ الآلام .

و ربّما تجد المرأة التي كان جلّ هدفها هو إعداد أولاد ناجحين متميّزين  ، قد نسيت نفسها ، فازداد وزنها  ، و ترهّل جسدها ،  و أهملت مظهرها  ، و ربّما ثقافتها  ، و غذاء العقل لديها ، وتصطدم هذه السّيدة بجدارٍ كبيرٍ ،  أو شرخٍ واسعٍ في جدار العلاقة بينها و بين زوجها  ،  أو حتى أولادَها  ، فلا ننسى أن مظهر الأم الجميل  ، و ثقافتها الواسعة  ، و مواكبتها لتقنيات العصر ، هي من أهم الأسباب التي تقربها من أولادها ،  و يزيد من تأثير كلماتها في قلوبهم ،  و عقولهم .

و قد ينسى الطالب الذي أهمّهُ التحصيل ،  و جمع الشهادات الكبيرة ، أمرا هامّا  في خضمّ سيره نحو ما أراد  ،  فلا يهتم بتكوين الصّداقات ، و لا يقدّم ما يُسهم في تعزيز العلاقات التي قد تصادفه في سنين حياتِه المبكّرة  ، فيجد نفسه وحيدا ،  دون أن ينعم بدفء العلاقات الحميمة بين البشر .

فاقتطاع رجل الأعمال بعضا من وقته للعناية بلياقته  ، و اهتمامه بأسرته  ، و أولاده ، و زوجته  .. هي أهداف صغيرة تدعم هدفه الكبير ، و تحقّق له السّعادة الكاملة .

و محافظة المرأة على جمال مظهرها  ، و مسايرتها لروح العصر ،  و زيادة مساحة الثقافة لديها ،  تزيد من بريق هدفها في رفع شأن أولادها  ، و تجعل ذلك الهدف الكبير أجمل  ، حينما تكون أماً تملأ  العين ،  و القلب ،  و العقل  .

و تكوين الصداقات في سنّ الصِبا ،  و المحافظة على الودّ  ، و بذل الجهد من أجل إذكاء روح المحبّة  ، تجعل الحياة أحلى ،  و يجد المرء في طريقه كتفا يستند عليها و قلوبا محبة تستمع أنّاته ،  و شكواه .

فما أحلى الحياة التي نسعى بها نحو هدف كبير براق ، و نكمّله بتلك الأهداف الّتي تقربه من الكمال ، و تجعله يحقّق لنا سعادة أكبر ، و الّتي طالما كنت أدعوها زخارف العقد الفريد

 

عبير النحاس 

 

SP_A2525

 

يزهد الكثيرون منا بالعمل الأهلي , ضاربين عرض الحائط بكل تلك الفوائد الرائعة التي يستطيع المجتمع أن يجنيها, فيما لو قدم كل فرد قادر عدة ساعات أسبوعية لصالح ذلك النوع من النشاط الجماعي بأوجهه المتعددة , بينما تجد هذا النوع من العمل يزدهر في الدول المتقدمة, و يحرص الكثير من سكان تلك البلاد على ممارسته, فتزدهر به بلادهم, و ينتفعون كأفراد بالفوائد العظيمة التي يجنيها من وهب للعمل التطوعي بعضا من وقته . في الحقيقة لم أكن لأفكر بهذا النوع من النشاط أو لأهتم به مطلقا قبل أن أقوم بالبحث عن مكان يجمعني و تلامذتي الموهوبين في مادة الرسم لإقامة ناد للنخبة , و قد كنت أشفق على مواهبهم الرائعة أن يلتهمها غبار الإهمال و النسيان عندما سيغادرون مدرستي إلى مدارس المرحلة الإعدادية , و قد فوجئت بالرسوم المالية العالية التي أراد أصحاب النوادي الخاصة فرضها على الصغار مقابل مكان يجتمعون فيه و يمارسون هوايتهم فقط لعدة ساعات أسبوعية, فكيف بهم و أنا أنوي تعليمهم برامج الحاسوب التي تلزم لكل رسام . ووجدتني أراسل إحدى الجمعيات الأهلية و أعرض عليهم رؤيتي لهذا النادي و طريقة العمل فيه, و قبلت تلك الجمعية بالفكرة و بتقديم قاعات الحواسيب الخاصة بهم لإتمام هذا العمل و تنمية تلك المواهب البارعة دون مقابل . و قد كنت ممتنة و سعيدة بأن أشرف على فكرتي و أرتب لها حتى النهاية رغم ما كنت أشعر به من انشغال كاد أن يطوي مواهب لا تقدر , فأنا أم لأربعة أولاد , و ربة منزل , و مدِّرسة تحتاج لبعض الراحة و إعادة ترتيب منزلها و نفسها في العطلة الصيفية , وقد التزمت بعقود لرسم قصص للأطفال لصالح بعض دور النشر , و روايتي التي أحلم بطباعتها ما تزال أمامي على المكتب , إلا أن مواهبهم لم تكن لتحيا من دون بعض التنازلات و التضحية ببضع ساعات في الأسبوع . قد يتساءل البعض : ما الذي يمكنني أن أجنيه من ممارستي للعمل الأهلي ؟ و ما الذي يحققه لي الانضمام لناد أو مؤسسة أهلية ؟ ألا يكفيني كل تلك الالتزامات التي تحتاجها الحياة للوفاء ببعض متطلباتها ؟ و لهذا نقول : تفرض الحياة على الإنسان نوعا من الأنانية التي يحتاجها ليصنع نجاحا و تفوقا و بعضا من الراحة المادية عندما يصرف وقته بشكل جيد نحو عمله أو دراسته و لا يقطع سيره بملهيات تبعده عن الهدف السامي الذي رسمه لنفسه و اختطه ليكون مستقبله رائعا , و لكننا نرى أن هذا الطريق يخفي بين أزقته أخطارا محدقة, فالإنسان الذي قطع روابطه الاجتماعية لتحقيق نجاح ما على الصعيد الشخصي فلم ينضم للنوادي الرياضية مثلا, و لم يحفل بالمؤسسات الأهلية, و لم يقدم التضحيات المناسبة للحصول على صداقات جديدة, أو للحفاظ على تلك القديمة, سوف يفقد اهتمامه و ميله تدريجيا للاختلاط مع غيره من البشر, و من ثم سيفقد قدراته للتواصل معهم و سيشعر مع الوقت بأنه قد فقد لياقته لمصاحبة الناس, و سيكرس وحدته أكثر فأكثر, و قد يؤدي به الطريق إلى بعض النتائج غير المرغوب فيها , و التي دلت عليها الخبرة الطبية و الاختبارات الشخصية, كالانطواء و التعاسة و الاضطراب العاطفي , و تكمن المشكلة عندما يستسلم الإنسان و يفقد الرغبة في اكتساب عادات و مهارات تؤهله للاستمتاع بالحياة الجماعية من جديد. و قد يعلم الجميع أن كل فرد منا يمتلك الكثير من الطاقات , يقوم الشخص الاجتماعي, و الذي يقدم التضحيات لخدمة غيره من البشر بتصريفها, و ربما الإسراف في تصريفها, فلا يتبق له الكثير من الطاقة للتفكير بمشكلاته و معاناته , و هو إلى هذا سيجد حوله الكثير من الصداقات و العلاقات الرائعة التي تكونت لديه من خلال عمله في المؤسسات الأهلية أو انضمامه لنوادي الرياضة والعمل الاجتماعي . على عكس الإنسان الأناني, و الذي يختزن طاقاته و يبقيها في داخله و يكرسها لنفسه فقط فتجدها تنخر في أعماقه و تؤدي به إلى الجحيم العاطفي, حيث لن يجد حوله من يتقاسم معه أنات روحه, و ربما تخرج تلك الطاقات بطريقة غير اعتيادية فتسلك به طريق الأطباء النفسيين . فكثير من الحالات التي تعج بها العيادات النفسية , قد تجد لها حلولا في العمل التطوعي. و الاهتمام بالبشر من حولنا و تقديم بعض التنازلات و الأوقات لخدمتهم و الاهتمام بمصالحهم . ففي الوقت الذي يقضيه الشخص المنعزل أو الأناني في التفكير بمشكلاته و تجاربه السابقة و يقوم بتحليل أصدقائه و ممارسة النقد لمن حوله و البحث عن أخطائهم , يقوم الإنسان الاجتماعي باكتساب الصداقات الجديدة و القيام بتجارب جديدة ناجحة و فاشلة أيضا, و أخطاء يتعلم منها و يرقى في المضمار الاجتماعي و هذه المهارات لا تكتسب إلا من خلال العمل الجماعي و التطوعي . و لست أقصد هنا العمل الخيري و الذي لا يتوانى أي منا على تقديمه و هو يتحقق ببعض التبرعات والهدايا للفقراء و ربما ببعض الزيارات لدور الأيتام و دور العجزة و إظهار بعض التعاطف و المواساة , و إنما أعني العمل الأهلي كتقديم الدورات التعليمية و الندوات و المحاضرات التنموية و التوعوية و القيام بنشاطات ترفع من سوية الفرد و المجتمع كل حسب مؤهلاته و مهاراته . هذا و إن اعتياد الطفل أيضا منذ صغره على ارتياد المجتمعات و دمجه في هذه المجالات من خلال أمور عدة أبرزها النشاطات التطوعية اللاصفّية مثلا في المدرسة و العمل الجماعي مع رفاقه في أمور قد لا تعود عليه بالنفع الشخصي و لكنها تنفع المجتمع المحيط كافة سيكون له أكبر الأثر في تعزيز ثقته بنفسه و زيادة القدرة لديه على اكتساب الصداقات و تعويده العمل و الصبر و بذل الجهد لا لأجل نفسه فقط بل لأجل إسعاد من حوله, وستبعده عن الركون للكسل و للعادات السيئة التي يفرضها علينا نظام الفردية و الفراغ الذي بات يسيطر على حياتنا في هذا الزمان , و بالتالي سيصرف الطفل طاقاته بشكل طبيعي و سيتجاوز أزمات الطفولة و المراهقة و ربما أزمات الشباب بسهولة , لأنه يستطيع أن يتعامل بمهارة مع المشكلات و لن يخشى العمل الشاق و لأن لديه الكثير من الصداقات الحميمة التي ستدعمه . و بهذا نعرف أي نفع و أي قيمة للعمل الجماعي قد تركناها مركونة في زوايا الهجر و غفلنا عنها و ربما كان بها حلولا للكثير مما يعترضنا من أمور, بل قد نجد فيها سعادتنا المفقودة .

التشيؤ

1 يوليو 2009

 

7789_1


كنت تستطيع بسهولة , أن ترى ذلك البريق في عينيها , و تلك الابتسامة المرسومة على شفتيها , و تدرك مقدار سعادتها , و هي ترتدي ملابسها بهدوء , كما أمرت والدتها , دون تذمرها المعتاد .

ارتدت بنطال الجينز المطرز بالخيوط الوردية , و تلك البلوزة الوردية القصيرة , و حذاءها الرياضي المزين بالورود الصغيرة , و تركت شعرها الكستنائي ينساب تحت قبعتها الواقية من الشمس , و التي طالما رفضت ارتداءها , في الأيام العادية , و لكنها اليوم لم تكن كعادتها مطلقا , لقد كانت تعيش لحظات استثنائية و هي تستعد للذهاب مع والدها إلى بيت منير ,

كانت الزيارة حلما يراودها منذ أن لمحت عيناها لوحته التي أهداها لوالدها , و التي يصور فيها عمودا من خشب له شكل امرأة تحمل طفلها .

كانت تجلس أمام اللوحة طويلا , و تعيش مع عالم الألوان الزيتية فيها , تحلم بامتلاكها تلك الألوان , وامتلاكها لمرسم خاص بها , و تشعر بلذة نشر اللون على القماش المشدود , و ربما تحلم بأن تهدي لأصدقائها لوحاتها البارعة .

و كم سألت والدها قائلة :

- ما اسم هذه اللوحة يا أبي ؟

فكان يجيبها بابتسامة , و هو يرى حنينها للألوان و شوقها لإنجاز يماثل لوحات منير :

- اسمها التشيؤ يا حلوتي .

لم تكن لتهتم للاسم , أو المعنى الذي لم تفهمه , كانت متأكدة أن لمنير كما لكل الناس فلسفتهم الخاصة , و لربما شعرت أنه كان يعاني وقتها من غربة عن البشر , فرأى الناس يومها كما الأشياء .

رغبة ملحة للقائه حلت بها , فكانت ترجو والدها أن تكون معه , في زيارته لبيت منير , وكاد الحلم أن يصبح حقيقة .

بضع دقائق فقط تفصلها عن رؤية منزل منير , أو مرسمه , كادت تطير من الفرحة , و هي تدخل تلك الحديقة الجميلة التي تسبق باب المرسم , و ترى كل تلك المنحوتات الرائعة التي زين بها منير حديقته , و قام بتوزيعها بين زهوره الساحرة , راحت تحدث نفسها :

- سيكون لمرسمي مثل هذه الحديقة , و سأنثر المنحوتات بين زهوري تماما كما تفعل أنت يا أستاذ منير .

دخلا على المرسم أخيرا , كان قلبها يخفق بشدة , و هي ترى تلك الكميات الكبيرة من اللوحات , الأطر الفارغة , الكثير الكثير من الفراشي , الألوان الزيتية , حوامل الألوان الخشبية الكبيرة و الصغيرة الممتلئة بالألوان , كانت كل تلك الصور في عينيها مع تلك الواجهة الزجاجية الكبيرة , أجمل من جميع مدن الأحلام , اقترب منير مصافحا والدها , و حياها بابتسامة , ابتسمت و هي تجلس حيث أشار لها , راحت تؤرجح قدميها الصغيرتين مستمتعة بكل ما حولها , و غير منتبهة لأي كلمة يقولها الرجلان .

دفع منير إليها بكأس كبيرة من ( الكوكا كولا ) , و داعبت أنفها رائحة قهوتيهما الرائعة , فعادت من رحلة خيالها إلى عالم الحقيقة بينهما .

سأله والدها معاتبا :

- ما عدنا نراك في جمعتنا يا منير ؟ فأين الغياب ؟

تنهد بأسى :

- ما عدت قادرا على رؤية البشر يا صديقي , و ما عادت حياتهم تغريني , فأصبحت أرسم ليلا , و أنام طول النهار .

أذهلها منطقه الغريب , لم تجد لشرابها بعده نكهته الأولى , و تخلت رائحة القهوة عن مداعبة أنفها الصغير , خرجت مع والدها صامتة واجمة , لم تلق على الزهور تحية من عينيها الشاردتين , ركبت السيارة بجانب والدها , سألها بود :

- هل سررت يا حبيبتي ؟

- لا يا أبي , أنا أحب الرسم و الألوان , و أحب أن أكون رسامة عندما أكبر , و لكن لن أكون مثل العم منير .

رفع الوالد حاجبيه دهشة , فاستمرت قائلة :

- أنا أحب نور الشمس يا والدي , و أحب الاستيقاظ في النهار , أحب الناس جميعا , و لا أريد أن أبتعد عنهم , أو أن أراهم كالأشياء

كانت لمسة

2 مايو 2009

كانتْ لَمسة

 

 cazffk62

 

لمْ يكنْ اللقاء الأول الّذي جمعني بفراس _ في الصفِ الثاني الابتدائي  _ مفرحاً لأيٍّ منا ,

 مُدَرِّسة  للرَسم , تَعني  , دفترَ رسم ٍ , و علبة ألوانٍ ,  و التزام بإتمام الرسوم , و هو أمرٌ لا يكاد يطيقهُ الطالب المجتهدُ  , فضلا عن طالب لا يبالي بالدراسة مثل فراس .

لمْ تكن تلك الندوبُ التي يحملها وجههُ  تشجعكَ على التفاهمِ معه  ,  و لم يكن صوتهُ القوي ُ ,  و صراخهُ  في وجهِ رفاقه , يأذن لك  بالحديث ِالناصح المنمق ,  كانَ فراس  أمامي كتلةً صماء .

سبب لي وجوده بين زملائه مشكلة حقيقية , فهو لا يتوانى عن رَكل هذا ,  و ضربِ ذاك , و العبثِ  بأقلامِهم و رسوماتهم  , و رَبما رميَها بعيدا  , لأجد  الصف في لحظات و كأنه مستشفى للمجانين .

و لم أملك حلا لضمان مسير الدرس ,  إلا أن أقف بفراس على طاولتي , و أقدم له بعض أوراقي , و أستعير له أقلام التلوين , ثم آمُرهُ بالرَسم مع تقطيب الجبين ,و  أحرص حينها  على البحث عن مكان ما في لوحته  , يحمل بصيص أمل  ,  فأشجعه ,  و يبتسم هو بسرور .

و  ما إن يلمح بصيص ابتسامتي  , حتى ينطلق بحديثه الذي لا ينتهي , و كنت استمع بدهشة تارة , و أرغم نفسي على الاستماع تارة أخرى , في محاولة لجعله يفتح تلك الأبواب المغلقة  بيننا .

شيئا فشيئا بدأت ملامح وجهي تتغير في مواجهة ذلك الوجه الصغير ,  و بدأت ألمح في  زجاج عينيه  ألوانا من البؤس , و من حديثه المتواصل أستشف الكثير من ألامه و معاناته , علمت أنه يتيم الأبِ منذ عامين و أن زوج والدته رجلٌ سكير ,  و رأيت بعضا من أثارِ غضبه على جسد الغلام الصغير .

أخبرني عن أولاد الحي و محاولاتهم المستمرة للشجار معه , و عن جوعه و إخوته الصغار ..

و لم أزد على تقديم قطعة سكر له  , أو أكتفي بالاستماع  دون تعليق ., كنت أريده رجلا فقط .

 أكتفي بمسح شعره الإنصات إليه

 

 

دخلت الصف فوجدته قرب الطاولة , و دفتر رسم  جديد  ينتظرني ,  و  ابتسامة  , وعلبة تلوين , كنت أدرك جيدا أنه حرم نفسه من قطعة حلوى ليرضيني بما اشترى , وجدتني أشرح درس  اليوم ,  و أسرع إليه ,  لأجده يرسم بتطور ملحوظ .

رفع رأسه نحوي مبتسما  ينتظر كلمة مديح .

أحطت وجنتيه الصغيرتين بكلتا يديّ , ابتسمت ,   و قلت بفخر :

-         أحسنت يا بطل

عاد يلون بسرعة  , دون أن ينسى شروطي الصعبة , أقصد التي كانت يوما  صعبة عليه.

-         ألون باتجاه واحد و أملئ كامل الصفحة باللون ..

 و كان نصيب اللوحة أن تعلق يومها في معرض المدرسة الدائم , وسط فرحة و بريق عيني الصغير.

في الصباح التالي دخلتُ المدرسة  , و وجدته يقترب مني ,  رافعا يده مستعدا للمصافحة .

مددت يدي  مبتسمة  , فضرب بكفه على راحتي  بقوة  كما يفعل  الأشداء , لاحظت شعرا مسرحا, ووجها يشع نظافة و ابتسامة عذبة .

قال و هو يساير خطواتي :

-         كيفَ حالكِ  اليوم  يا آنسة ؟

 

 

……………………………

 

 

 

 

digitalstock_0312-         رسالة

 

 

 

كانت عقارب السّاعة تقترب من العاشرة مساءً، عندما جلست زينة إلى حاسوبها  , و أدارت زرّ التشغيل مُسرعة ، لتشهد وصول تلك الرّسالة اليوميّة إلى بريدها الإلكتروني ، كانت تدهشها تلك الدّقة في وصولها اليومي  .

لم تكن تعيرها اهتماما في البداية ,  و ربما حذفتها مرارا دون أن تفتحها  ، و لكن عنوانها الموحد ووصولها في تمام العاشرة مساء كل يوم ، جعلها تتنبه لها , و قد كتبت في خانة المرسل (مجهول).

 بضعة أبيات من شعر ابن زيدون ، و وردة ، كانت كل ما تحمله تلك الرسالة الالكترونية .

لم تعد تمتلك تلك التقطيبة  التي قابلت بها الحرف و الصورة في البداية  ، بل بدأت تلمح ابتسامة على محياها عندما يلتقي بصرها بما تحمله من حروف وورود .

و لم تحدّثها نفسها بالرد على (مجهول) هذا ، مرة واحدة فقط رأت أن تخبره أن رسائله تصل بريدها ربما من باب الخطأ , ثم تجاهلت الأمر .

- من هو هذا المجهول يا ترى ؟

 أهو شاب أو فتاة أخطأ إلى بريدها  الخطا ؟

أتراه سمج يريد اختبار قوة احتمالها ؟

لا بأس فلديها من القدرة على الصّبر و التّحمل فوق ما سيتخيل .

 

قرأت أبيات الشّعر ،  ابتسمت للوردة ، أغلقت حاسوبها ، غادرت نحو المطبخ  , لتعود بعد برهة , و هي تحمل طبق( الفتوش) الذي طلبه غسّان منها و الذي تَبرع هي في إعداده , فتقوم بتقطيع الخضار بدقة بالغة ,  ثم تعمل على طلاء الخبز( بصلصتها) المكونة من الليمون ,  و الزيت البلدي ,  و الثوم ,  و رشة من النعناع المجفف , وتزجه في الفرن بعد أن تقطعه  إلى مربعات , أو مثلثات ,  تزين بها الطبق الملون بكل أناقة  .

وضعته على الطاولة مع كأس من عصير البرتقال , و طبق من الفطائر المقلية , و سارعت ترتدي فستانها الجديد   , و تضع قليلا من أحمر الشفاه , ثم تزيد من كثافة رموشها بقليل من (الماسكرا) ،  و ترتدي قرطها الذي تعبت , و أتعبت البائع في البحث عن لونه الذي يطابق لون الفستان تماما .

أعلمها صوت مفتاحه بوصوله ,  فسارعت لترش عطرها الهادئ  ,  خلف أذنيها ,  و عند مكان النبض في معصميها ,  و لتقترب من الباب مرحبة مسلمة ، كان قد وصل عند المائدة ,  يبتسم للأطباق  , عندما دخلت الغرفة :

-         كيف حالك ؟

-         بخير ، سلمت يداك ، أطباق شهية .

-         شكرا .

أسرع يستبدل ملابسه , و جلست مع كوب نعناعها ، و هي تتأمل سروره بأطباقها ، و تستمتع بمتعته , و هو يتناولها بشهية .

أمسك كعادته جهاز التّحكم ,  و بدأ بتقليب المحطات ,  مكتفيا بمصافحة بصره  – لكل قناة –  لثوان معدودات , ثم لينتقل إلى غيرها مسرعا،

مضى الوقت أمام محطّة للأخبار ، ثم غادر غسّان الغرفة  ، دون أن يتنبه إلى تطابق لون قرطِها مع لون الفستان ,  و دون أن يستمع إلى قصة الغريب منها .

عادت إلى كرسيها أمام الحاسوب  , فتحت صفحة بريدها الإلكتروني  , فتحت الرسالة ,  ابتسمت للوردة .

…………………………………………………

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

عِقدٌ فَريد  pearls-rosaline

 

يؤَكّد المحاضِرون دائماً  ، على ضرورة إعدادنا لتلك القائمة الّتي تضع أهدافنا أمام أعيننا ، لتكون نقطةَ النهاية و التي ينطلق منها نور الطريق ، فنسير و أعيننا على الهدف  ، الذي سيبدو بها واضحاً محدداً جلياً .

و لطالما قمنا بإعدادِ تلك القوائِم ، و رصّعنا الورق بأهدافنا الكبيرة البرّاقة ، و بدأنا السير نحو تلك الأهداف  بجدٍ و التزامٍ  كبيرين ، فننشغل بتلك الأهداف وننسى أنّ هناك أهدافا تكمّلها ، و لا تتحقّق لنا السّعادة الكاملة إلا بها معا .

 قد لا يتَنبه الكثيرون ، أن الأحجار الكريمة الّرائعة ،  أو الماساتِِ المشعةِ ، لا تشكّل عِقدا فريدا وحدها ، بل لا بدّ من معادن ثمينة أخرى ،  تجمع الأحجار ، و الماسات في نظم مبدع  ، و تضْفي على الأحجار جمالا ، و تُبرز رونق الألوان فيها ,

و كما يخطف بريق الماس أبصارنا إليه  ، فننشغل بحسنه عن جمال الزّخارف  الذّهبية التي تكمّله  ، كذلك تفعل الأهداف الكبيرة في كثير من الأحيان  ، فتحجب ببريقها الأخّاذ عن أعيننا  أهدافاً تكمّلها ، و تجعلها أكثر أمانا  ، و تحقيقا للسعادة التي ننشد منها .

فتجد مثلا رجل الأعمال ، الذي حقّق الكثير من أهدافه الكبيرة ،  قد نسيّ في غمرة نجاحاته نفسهُ ،  فأهمل صحّته ، و اعتلّ بدنه ، يرافقه مرض القلب ،  أو السّكر ، و الضغط  ، و ربما تجده أيضا قد نسي صداقته  لزوجته ، و أهمل تربية أولاده  ،فخَفَتَ نورُ نجاحه  ، و امتزجَ بكثيرٍ منَ الآلام .

و ربّما تجد المرأة التي كان جلّ هدفها هو إعداد أولاد ناجحين متميّزين  ، قد نسيت نفسها ، فازداد وزنها  ، و ترهّل جسدها ،  و أهملت مظهرها  ، و ربّما ثقافتها  ، و غذاء العقل لديها ، وتصطدم هذه السّيدة بجدارٍ كبيرٍ ،  أو شرخٍ واسعٍ في جدار العلاقة بينها و بين زوجها  ،  أو حتى أولادَها  ، فلا ننسى أن مظهر الأم الجميل  ، و ثقافتها الواسعة  ، و مواكبتها لتقنيات العصر ، هي من أهم الأسباب التي تقربها من أولادها ،  و يزيد من تأثير كلماتها في قلوبهم ،  و عقولهم .

و قد ينسى الطالب الذي أهمّهُ التحصيل ،  و جمع الشهادات الكبيرة ، أمرا هامّا  في خضمّ سيره نحو ما أراد  ،  فلا يهتم بتكوين الصّداقات ، و لا يقدّم ما يُسهم في تعزيز العلاقات التي قد تصادفه في سنين حياتِه المبكّرة  ، فيجد نفسه وحيدا ،  دون أن ينعم بدفء العلاقات الحميمة بين البشر .

فاقتطاع رجل الأعمال بعضا من وقته للعناية بلياقته  ، و اهتمامه بأسرته  ، و أولاده ، و زوجته  .. هي أهداف صغيرة تدعم هدفه الكبير ، و تحقّق له السّعادة الكاملة .

و محافظة المرأة على جمال مظهرها  ، و مسايرتها لروح العصر ،  و زيادة مساحة الثقافة لديها ،  تزيد من بريق هدفها في رفع شأن أولادها  ، و تجعل ذلك الهدف الكبير أجمل  ، حينما تكون أماً تملأ  العين ،  و القلب ،  و العقل  .

و تكوين الصداقات في سنّ الصِبا ،  و المحافظة على الودّ  ، و بذل الجهد من أجل إذكاء روح المحبّة  ، تجعل الحياة أحلى ،  و يجد المرء في طريقه كتفا يستند عليها و قلوبا محبة تستمع أنّاته ،  و شكواه .

فما أحلى الحياة التي نسعى بها نحو هدف كبير براق ، و نكمّله بتلك الأهداف الّتي تقربه من الكمال ، و تجعله يحقّق لنا سعادة أكبر ، و الّتي طالما كنت أدعوها زخارف العقد الفريد

 

عبير النحاس

زهور طفلتي  jasm_sa11

كانت ابنتي الصغيرة , ذات الأعوام الثمانية , تسير بقربي  -  و نحن في طريقنا إلى منزل والدتي -  مسافة قليلة  ,  لتتوقف عند شجيرة ياسمين تمر بقربها ,  تقطف بعضا من زهورها , ثم تضعها في منديل ورقي أزرق ,  و تلفها  بعناية حتى تصل إلى الشجرة التالية  ,  فتعيد الكَرة هناك , و كنت أبتسم  و أنا أراها تمد يدها  , و تقف على رؤوس أصابعها ,  لتحصل على المزيد من الزهور لجدتها , و أدرك جيدا سعادتها بتلك الزهور التي ستُسِر بها جدتها كما أُسرّ أنا بزهورها  البيضاء التي تجمعها لي في طريق عودتها من المدرسة .

قدَّمتْ المنديل لجدتها مع ابتسامة كبيرة  - كما تفعل معي تماما – و فوجئَت جدتها بها كما أتفاجأ أنا , و قبّلتها كما أفعل , لكنّها لم تحمل الياسمينات إلى المطبخ  مثلي , و لم تملأ كأسا صغيرة بالماء و تضعها فيها , و لم تركنها في زاوية المنضدة هناك .

لقد أخذت والدتي الزهور إلى الغرفة  , و وضعتها أمامها على الطاولة , و راحت تزيل الأوراق  الخضراء بعناية  , ثم وضعتها بكل أناقة في طبق من الكريستال الثمين , وجعلته على طاولة الوسط في غرفة الضيوف .

و لا تسأل عن اعتزاز الصغيرة بزهورها , و سعادتها الغامرة بأن تجد لها هذه المكانة في غرفة الضيوف من بين الغرف , و عن ابتسامة السرور و الرضا التي لم تفارق شفتيها  طوال تلك الأمسية .

و لا تسأل أيضا عن شعوري بالخجل من طفلتي  ,  و أنا أفكر في زهورها التي تسلمتها منها صباحا  , و ألقيت بها في ذلك الكأس المشروخ  , و التي ركنتُها في زاوية المطبخ .

لقد شعرت طفلتي بالاعتزاز بعملها ,  و بقيمة زهورها , و قيمة شخصها  , و هي تراها تنثر عطرها في غرفة الضيوف .

كان قلب والدتي يعرف كيف يكون مكان قلب طفلة  - بحذاء وردي و جديلة طويلة – قد بذلت جهدا كي ترسم ابتسامة على وجه الجدة  , فكانت مكافأتها مجزية .

و كنت قد توقعت أن تتوقف طفلتي عن إمدادي بزهورها اليومية , و أن تبدأ بجمعها فقط لجدتها التي تعرف قيمة زهور الأطفال من دوني , و لكنها عادت في اليوم التالي تحمل منديلا ورقيا أزرق اللون  , و قد ملأته بياسميناتها منزوعة الأوراق , و كأنها تخبرني أنها الطريقة التي ستقدم لي بها زهورها منذ اليوم , و فوجئت بها كالعادة , و قبلت طفلتي طويلا , و أفردت لزهراتها الوفية مكانا رائعا في أجمل طبق كريستالي أملكه , ثم جعلته في طاولة الوسط في غرفة الضيوف , فقد تعلمت درسا لا ينسى .

 لقد كنت أنانية في قبولي زهورا أرادت طفلتي أن تسعدني بها -  و قد فَعلَتْ -  و لم أعرف قيمة لهديتها  , و لم  أجعل لها مكانة لائقة بها كما فعلت الجدة , و لكنني الآن أعرف تماما ما الذي عليّ فعله , لقد جعلتني الجدة أتخذ قراري ببذل ما أستطيعه لأسعد من حولي , بكلمة  , و بعمل صغير أعبِّر له من خلاله عن امتناني و تقديري له و  لكل ما يقول  و يفعل , حتى لو كان الذي أعنيهِ طفلة  بجديلة و بحذاء وردي .

 

 

عبير النحاس

 11 – 11  - 2008

 

 

 

 

 

 

22 أبريل 2009

حلوى و قهوة و ياسمين

 

 jasm_sa1

 

كانت ترفل في ثوبها الأزرق ، و حذائها الأنيق ، تسير نحو الجمع ، وهي تحمل الصينيّة المذهبة  المفضلة لديها ، و بين الفناجين تنثر زهرات الياسمين .
كما هي عادتها منذ ثلاثين سنة   ، لم تقدم القهوة يوما إلا مع أزهار الياسمين .
لعل في شكلها نوعا من التغيير  ، و لكنها ما تزال تحمل تلك الروح المرحة ، و تعتني ببشرتها و شعرها ، تشتري لنفسها و لبناتها العطور المترفة  ، و الكل يعجبه ذوقها  الفريد .
كُثر هم أحبابها ، هو ، و الأولاد  ، و الزهور  ،و منزلها ..   و الكل يشتاق لمساتها اليومية  .
أقبل الجمع على القهوة ,  دارت معها  أحاديث الذكريات , و فاحت عطور ياسميناتها بين كلماتهم .
علت أصوات ضحكاتهم ، بحثوا عن أنفسهم بين طيات الزمان هنا ,  و بحثت عينها عنه .
مسحة الحزن في عينيه ,  تلهب نار قلبها ، و تعرف  , و يعرف نفسه  في حديث الذكريات .
كان في قلوبهم السند , و الملجأ  الآمن الحصين ،  و لكن أسوار الحصن وهنت كوهن العظم , و برد الحصن .
ما عادت يده القوية   تعرف وحدها كيف تثبت قبعة أميرته الصغيرة ،
و ما عادت حكايته الممتعة ,  تخفف بأس الحمى أيام المرض .
حتى قطعة الحلوى  التي اشتراها للأميرة أمس أخافتها ، ثم قدمتها لطفلتها .
- لعلها تخشى على رشاقتها
كبر من كانوا أفراخه , و غادروا المكان  .
وحدها من بقيت تسقي الحب للجميع   بكوبها المغزول من نسيج قلبها الفاخر .
طعامها اللذيذ .. قهوتها مع الياسمين .. ذوقها الرفيع .. و قلبها الكبير .
ما وجد له مكانا بينهم , غادر إلى غرفته تشيعه أصوات صخبهم  ، و أطفالهم , و حزن عينيها  .
استلقى في سريره  ، وغرق مجددا في كتبه .
اقتربت حفيدته من السرير..
أسندت خديها بيديها الصغيرتين  ، و ابتسمت له , أزاح النظّارة عن عينيه ، و ابتسم لوجهها الجميل .
- تماما كابتسامة الأميرة !
مسح شعرها اللامع بيده  , ابتسمت , قبلت وجنته بحب .

سألته بلهفة :
-
 جدي ؟
-
 نعم يا حبيبتي ؟
-
هل تعطيني الحلوى  , كما أعطيت أمي ؟

 

……………………………………………………………………………………