عقد فريد ..مما نشرته في مجلة تواصل السورية
15 مارس 2010
عِقدٌ فَريد
يؤَكّد المحاضِرون دائماً ، على ضرورة إعدادنا لتلك القائمة الّتي تضع أهدافنا أمام أعيننا ، لتكون نقطةَ النهاية و التي ينطلق منها نور الطريق ، فنسير و أعيننا على الهدف ، الذي سيبدو بها واضحاً محدداً جلياً .
و لطالما قمنا بإعدادِ تلك القوائِم ، و رصّعنا الورق بأهدافنا الكبيرة البرّاقة ، و بدأنا السير نحو تلك الأهداف بجدٍ و التزامٍ كبيرين ، فننشغل بتلك الأهداف وننسى أنّ هناك أهدافا تكمّلها ، و لا تتحقّق لنا السّعادة الكاملة إلا بها معا .
قد لا يتَنبه الكثيرون ، أن الأحجار الكريمة الّرائعة ، أو الماساتِِ المشعةِ ، لا تشكّل عِقدا فريدا وحدها ، بل لا بدّ من معادن ثمينة أخرى ، تجمع الأحجار ، و الماسات في نظم مبدع ، و تضْفي على الأحجار جمالا ، و تُبرز رونق الألوان فيها ,
و كما يخطف بريق الماس أبصارنا إليه ، فننشغل بحسنه عن جمال الزّخارف الذّهبية التي تكمّله ، كذلك تفعل الأهداف الكبيرة في كثير من الأحيان ، فتحجب ببريقها الأخّاذ عن أعيننا أهدافاً تكمّلها ، و تجعلها أكثر أمانا ، و تحقيقا للسعادة التي ننشد منها .
فتجد مثلا رجل الأعمال ، الذي حقّق الكثير من أهدافه الكبيرة ، قد نسيّ في غمرة نجاحاته نفسهُ ، فأهمل صحّته ، و اعتلّ بدنه ، يرافقه مرض القلب ، أو السّكر ، و الضغط ، و ربما تجده أيضا قد نسي صداقته لزوجته ، و أهمل تربية أولاده ،فخَفَتَ نورُ نجاحه ، و امتزجَ بكثيرٍ منَ الآلام .
و ربّما تجد المرأة التي كان جلّ هدفها هو إعداد أولاد ناجحين متميّزين ، قد نسيت نفسها ، فازداد وزنها ، و ترهّل جسدها ، و أهملت مظهرها ، و ربّما ثقافتها ، و غذاء العقل لديها ، وتصطدم هذه السّيدة بجدارٍ كبيرٍ ، أو شرخٍ واسعٍ في جدار العلاقة بينها و بين زوجها ، أو حتى أولادَها ، فلا ننسى أن مظهر الأم الجميل ، و ثقافتها الواسعة ، و مواكبتها لتقنيات العصر ، هي من أهم الأسباب التي تقربها من أولادها ، و يزيد من تأثير كلماتها في قلوبهم ، و عقولهم .
و قد ينسى الطالب الذي أهمّهُ التحصيل ، و جمع الشهادات الكبيرة ، أمرا هامّا في خضمّ سيره نحو ما أراد ، فلا يهتم بتكوين الصّداقات ، و لا يقدّم ما يُسهم في تعزيز العلاقات التي قد تصادفه في سنين حياتِه المبكّرة ، فيجد نفسه وحيدا ، دون أن ينعم بدفء العلاقات الحميمة بين البشر .
فاقتطاع رجل الأعمال بعضا من وقته للعناية بلياقته ، و اهتمامه بأسرته ، و أولاده ، و زوجته .. هي أهداف صغيرة تدعم هدفه الكبير ، و تحقّق له السّعادة الكاملة .
و محافظة المرأة على جمال مظهرها ، و مسايرتها لروح العصر ، و زيادة مساحة الثقافة لديها ، تزيد من بريق هدفها في رفع شأن أولادها ، و تجعل ذلك الهدف الكبير أجمل ، حينما تكون أماً تملأ العين ، و القلب ، و العقل .
و تكوين الصداقات في سنّ الصِبا ، و المحافظة على الودّ ، و بذل الجهد من أجل إذكاء روح المحبّة ، تجعل الحياة أحلى ، و يجد المرء في طريقه كتفا يستند عليها و قلوبا محبة تستمع أنّاته ، و شكواه .
فما أحلى الحياة التي نسعى بها نحو هدف كبير براق ، و نكمّله بتلك الأهداف الّتي تقربه من الكمال ، و تجعله يحقّق لنا سعادة أكبر ، و الّتي طالما كنت أدعوها زخارف العقد الفريد
عبير النحاس
العمل الأهلي ..نتائج لا تقدر …
17 أكتوبر 2009

يزهد الكثيرون منا بالعمل الأهلي , ضاربين عرض الحائط بكل تلك الفوائد الرائعة التي يستطيع المجتمع أن يجنيها, فيما لو قدم كل فرد قادر عدة ساعات أسبوعية لصالح ذلك النوع من النشاط الجماعي بأوجهه المتعددة , بينما تجد هذا النوع من العمل يزدهر في الدول المتقدمة, و يحرص الكثير من سكان تلك البلاد على ممارسته, فتزدهر به بلادهم, و ينتفعون كأفراد بالفوائد العظيمة التي يجنيها من وهب للعمل التطوعي بعضا من وقته . في الحقيقة لم أكن لأفكر بهذا النوع من النشاط أو لأهتم به مطلقا قبل أن أقوم بالبحث عن مكان يجمعني و تلامذتي الموهوبين في مادة الرسم لإقامة ناد للنخبة , و قد كنت أشفق على مواهبهم الرائعة أن يلتهمها غبار الإهمال و النسيان عندما سيغادرون مدرستي إلى مدارس المرحلة الإعدادية , و قد فوجئت بالرسوم المالية العالية التي أراد أصحاب النوادي الخاصة فرضها على الصغار مقابل مكان يجتمعون فيه و يمارسون هوايتهم فقط لعدة ساعات أسبوعية, فكيف بهم و أنا أنوي تعليمهم برامج الحاسوب التي تلزم لكل رسام . ووجدتني أراسل إحدى الجمعيات الأهلية و أعرض عليهم رؤيتي لهذا النادي و طريقة العمل فيه, و قبلت تلك الجمعية بالفكرة و بتقديم قاعات الحواسيب الخاصة بهم لإتمام هذا العمل و تنمية تلك المواهب البارعة دون مقابل . و قد كنت ممتنة و سعيدة بأن أشرف على فكرتي و أرتب لها حتى النهاية رغم ما كنت أشعر به من انشغال كاد أن يطوي مواهب لا تقدر , فأنا أم لأربعة أولاد , و ربة منزل , و مدِّرسة تحتاج لبعض الراحة و إعادة ترتيب منزلها و نفسها في العطلة الصيفية , وقد التزمت بعقود لرسم قصص للأطفال لصالح بعض دور النشر , و روايتي التي أحلم بطباعتها ما تزال أمامي على المكتب , إلا أن مواهبهم لم تكن لتحيا من دون بعض التنازلات و التضحية ببضع ساعات في الأسبوع . قد يتساءل البعض : ما الذي يمكنني أن أجنيه من ممارستي للعمل الأهلي ؟ و ما الذي يحققه لي الانضمام لناد أو مؤسسة أهلية ؟ ألا يكفيني كل تلك الالتزامات التي تحتاجها الحياة للوفاء ببعض متطلباتها ؟ و لهذا نقول : تفرض الحياة على الإنسان نوعا من الأنانية التي يحتاجها ليصنع نجاحا و تفوقا و بعضا من الراحة المادية عندما يصرف وقته بشكل جيد نحو عمله أو دراسته و لا يقطع سيره بملهيات تبعده عن الهدف السامي الذي رسمه لنفسه و اختطه ليكون مستقبله رائعا , و لكننا نرى أن هذا الطريق يخفي بين أزقته أخطارا محدقة, فالإنسان الذي قطع روابطه الاجتماعية لتحقيق نجاح ما على الصعيد الشخصي فلم ينضم للنوادي الرياضية مثلا, و لم يحفل بالمؤسسات الأهلية, و لم يقدم التضحيات المناسبة للحصول على صداقات جديدة, أو للحفاظ على تلك القديمة, سوف يفقد اهتمامه و ميله تدريجيا للاختلاط مع غيره من البشر, و من ثم سيفقد قدراته للتواصل معهم و سيشعر مع الوقت بأنه قد فقد لياقته لمصاحبة الناس, و سيكرس وحدته أكثر فأكثر, و قد يؤدي به الطريق إلى بعض النتائج غير المرغوب فيها , و التي دلت عليها الخبرة الطبية و الاختبارات الشخصية, كالانطواء و التعاسة و الاضطراب العاطفي , و تكمن المشكلة عندما يستسلم الإنسان و يفقد الرغبة في اكتساب عادات و مهارات تؤهله للاستمتاع بالحياة الجماعية من جديد. و قد يعلم الجميع أن كل فرد منا يمتلك الكثير من الطاقات , يقوم الشخص الاجتماعي, و الذي يقدم التضحيات لخدمة غيره من البشر بتصريفها, و ربما الإسراف في تصريفها, فلا يتبق له الكثير من الطاقة للتفكير بمشكلاته و معاناته , و هو إلى هذا سيجد حوله الكثير من الصداقات و العلاقات الرائعة التي تكونت لديه من خلال عمله في المؤسسات الأهلية أو انضمامه لنوادي الرياضة والعمل الاجتماعي . على عكس الإنسان الأناني, و الذي يختزن طاقاته و يبقيها في داخله و يكرسها لنفسه فقط فتجدها تنخر في أعماقه و تؤدي به إلى الجحيم العاطفي, حيث لن يجد حوله من يتقاسم معه أنات روحه, و ربما تخرج تلك الطاقات بطريقة غير اعتيادية فتسلك به طريق الأطباء النفسيين . فكثير من الحالات التي تعج بها العيادات النفسية , قد تجد لها حلولا في العمل التطوعي. و الاهتمام بالبشر من حولنا و تقديم بعض التنازلات و الأوقات لخدمتهم و الاهتمام بمصالحهم . ففي الوقت الذي يقضيه الشخص المنعزل أو الأناني في التفكير بمشكلاته و تجاربه السابقة و يقوم بتحليل أصدقائه و ممارسة النقد لمن حوله و البحث عن أخطائهم , يقوم الإنسان الاجتماعي باكتساب الصداقات الجديدة و القيام بتجارب جديدة ناجحة و فاشلة أيضا, و أخطاء يتعلم منها و يرقى في المضمار الاجتماعي و هذه المهارات لا تكتسب إلا من خلال العمل الجماعي و التطوعي . و لست أقصد هنا العمل الخيري و الذي لا يتوانى أي منا على تقديمه و هو يتحقق ببعض التبرعات والهدايا للفقراء و ربما ببعض الزيارات لدور الأيتام و دور العجزة و إظهار بعض التعاطف و المواساة , و إنما أعني العمل الأهلي كتقديم الدورات التعليمية و الندوات و المحاضرات التنموية و التوعوية و القيام بنشاطات ترفع من سوية الفرد و المجتمع كل حسب مؤهلاته و مهاراته . هذا و إن اعتياد الطفل أيضا منذ صغره على ارتياد المجتمعات و دمجه في هذه المجالات من خلال أمور عدة أبرزها النشاطات التطوعية اللاصفّية مثلا في المدرسة و العمل الجماعي مع رفاقه في أمور قد لا تعود عليه بالنفع الشخصي و لكنها تنفع المجتمع المحيط كافة سيكون له أكبر الأثر في تعزيز ثقته بنفسه و زيادة القدرة لديه على اكتساب الصداقات و تعويده العمل و الصبر و بذل الجهد لا لأجل نفسه فقط بل لأجل إسعاد من حوله, وستبعده عن الركون للكسل و للعادات السيئة التي يفرضها علينا نظام الفردية و الفراغ الذي بات يسيطر على حياتنا في هذا الزمان , و بالتالي سيصرف الطفل طاقاته بشكل طبيعي و سيتجاوز أزمات الطفولة و المراهقة و ربما أزمات الشباب بسهولة , لأنه يستطيع أن يتعامل بمهارة مع المشكلات و لن يخشى العمل الشاق و لأن لديه الكثير من الصداقات الحميمة التي ستدعمه . و بهذا نعرف أي نفع و أي قيمة للعمل الجماعي قد تركناها مركونة في زوايا الهجر و غفلنا عنها و ربما كان بها حلولا للكثير مما يعترضنا من أمور, بل قد نجد فيها سعادتنا المفقودة .
التشيؤ
1 يوليو 2009

ارتدت بنطال الجينز المطرز بالخيوط الوردية , و تلك البلوزة الوردية القصيرة , و حذاءها الرياضي المزين بالورود الصغيرة , و تركت شعرها الكستنائي ينساب تحت قبعتها الواقية من الشمس , و التي طالما رفضت ارتداءها , في الأيام العادية , و لكنها اليوم لم تكن كعادتها مطلقا , لقد كانت تعيش لحظات استثنائية و هي تستعد للذهاب مع والدها إلى بيت منير ,
كانت الزيارة حلما يراودها منذ أن لمحت عيناها لوحته التي أهداها لوالدها , و التي يصور فيها عمودا من خشب له شكل امرأة تحمل طفلها .
كانت تجلس أمام اللوحة طويلا , و تعيش مع عالم الألوان الزيتية فيها , تحلم بامتلاكها تلك الألوان , وامتلاكها لمرسم خاص بها , و تشعر بلذة نشر اللون على القماش المشدود , و ربما تحلم بأن تهدي لأصدقائها لوحاتها البارعة .
و كم سألت والدها قائلة :
- ما اسم هذه اللوحة يا أبي ؟
فكان يجيبها بابتسامة , و هو يرى حنينها للألوان و شوقها لإنجاز يماثل لوحات منير :
- اسمها التشيؤ يا حلوتي .
لم تكن لتهتم للاسم , أو المعنى الذي لم تفهمه , كانت متأكدة أن لمنير كما لكل الناس فلسفتهم الخاصة , و لربما شعرت أنه كان يعاني وقتها من غربة عن البشر , فرأى الناس يومها كما الأشياء .
رغبة ملحة للقائه حلت بها , فكانت ترجو والدها أن تكون معه , في زيارته لبيت منير , وكاد الحلم أن يصبح حقيقة .
بضع دقائق فقط تفصلها عن رؤية منزل منير , أو مرسمه , كادت تطير من الفرحة , و هي تدخل تلك الحديقة الجميلة التي تسبق باب المرسم , و ترى كل تلك المنحوتات الرائعة التي زين بها منير حديقته , و قام بتوزيعها بين زهوره الساحرة , راحت تحدث نفسها :
- سيكون لمرسمي مثل هذه الحديقة , و سأنثر المنحوتات بين زهوري تماما كما تفعل أنت يا أستاذ منير .
دخلا على المرسم أخيرا , كان قلبها يخفق بشدة , و هي ترى تلك الكميات الكبيرة من اللوحات , الأطر الفارغة , الكثير الكثير من الفراشي , الألوان الزيتية , حوامل الألوان الخشبية الكبيرة و الصغيرة الممتلئة بالألوان , كانت كل تلك الصور في عينيها مع تلك الواجهة الزجاجية الكبيرة , أجمل من جميع مدن الأحلام , اقترب منير مصافحا والدها , و حياها بابتسامة , ابتسمت و هي تجلس حيث أشار لها , راحت تؤرجح قدميها الصغيرتين مستمتعة بكل ما حولها , و غير منتبهة لأي كلمة يقولها الرجلان .
دفع منير إليها بكأس كبيرة من ( الكوكا كولا ) , و داعبت أنفها رائحة قهوتيهما الرائعة , فعادت من رحلة خيالها إلى عالم الحقيقة بينهما .
سأله والدها معاتبا :
- ما عدنا نراك في جمعتنا يا منير ؟ فأين الغياب ؟
تنهد بأسى :
- ما عدت قادرا على رؤية البشر يا صديقي , و ما عادت حياتهم تغريني , فأصبحت أرسم ليلا , و أنام طول النهار .
أذهلها منطقه الغريب , لم تجد لشرابها بعده نكهته الأولى , و تخلت رائحة القهوة عن مداعبة أنفها الصغير , خرجت مع والدها صامتة واجمة , لم تلق على الزهور تحية من عينيها الشاردتين , ركبت السيارة بجانب والدها , سألها بود :
- هل سررت يا حبيبتي ؟
- لا يا أبي , أنا أحب الرسم و الألوان , و أحب أن أكون رسامة عندما أكبر , و لكن لن أكون مثل العم منير .
رفع الوالد حاجبيه دهشة , فاستمرت قائلة :
- أنا أحب نور الشمس يا والدي , و أحب الاستيقاظ في النهار , أحب الناس جميعا , و لا أريد أن أبتعد عنهم , أو أن أراهم كالأشياء
كانت لمسة
2 مايو 2009
كانتْ لَمسة

لمْ يكنْ اللقاء الأول الّذي جمعني بفراس _ في الصفِ الثاني الابتدائي _ مفرحاً لأيٍّ منا ,
مُدَرِّسة للرَسم , تَعني , دفترَ رسم ٍ , و علبة ألوانٍ , و التزام بإتمام الرسوم , و هو أمرٌ لا يكاد يطيقهُ الطالب المجتهدُ , فضلا عن طالب لا يبالي بالدراسة مثل فراس .
لمْ تكن تلك الندوبُ التي يحملها وجههُ تشجعكَ على التفاهمِ معه , و لم يكن صوتهُ القوي ُ , و صراخهُ في وجهِ رفاقه , يأذن لك بالحديث ِالناصح المنمق , كانَ فراس أمامي كتلةً صماء .
سبب لي وجوده بين زملائه مشكلة حقيقية , فهو لا يتوانى عن رَكل هذا , و ضربِ ذاك , و العبثِ بأقلامِهم و رسوماتهم , و رَبما رميَها بعيدا , لأجد الصف في لحظات و كأنه مستشفى للمجانين .
و لم أملك حلا لضمان مسير الدرس , إلا أن أقف بفراس على طاولتي , و أقدم له بعض أوراقي , و أستعير له أقلام التلوين , ثم آمُرهُ بالرَسم مع تقطيب الجبين ,و أحرص حينها على البحث عن مكان ما في لوحته , يحمل بصيص أمل , فأشجعه , و يبتسم هو بسرور .
و ما إن يلمح بصيص ابتسامتي , حتى ينطلق بحديثه الذي لا ينتهي , و كنت استمع بدهشة تارة , و أرغم نفسي على الاستماع تارة أخرى , في محاولة لجعله يفتح تلك الأبواب المغلقة بيننا .
شيئا فشيئا بدأت ملامح وجهي تتغير في مواجهة ذلك الوجه الصغير , و بدأت ألمح في زجاج عينيه ألوانا من البؤس , و من حديثه المتواصل أستشف الكثير من ألامه و معاناته , علمت أنه يتيم الأبِ منذ عامين و أن زوج والدته رجلٌ سكير , و رأيت بعضا من أثارِ غضبه على جسد الغلام الصغير .
أخبرني عن أولاد الحي و محاولاتهم المستمرة للشجار معه , و عن جوعه و إخوته الصغار ..
و لم أزد على تقديم قطعة سكر له , أو أكتفي بالاستماع دون تعليق ., كنت أريده رجلا فقط .
أكتفي بمسح شعره الإنصات إليه
دخلت الصف فوجدته قرب الطاولة , و دفتر رسم جديد ينتظرني , و ابتسامة , وعلبة تلوين , كنت أدرك جيدا أنه حرم نفسه من قطعة حلوى ليرضيني بما اشترى , وجدتني أشرح درس اليوم , و أسرع إليه , لأجده يرسم بتطور ملحوظ .
رفع رأسه نحوي مبتسما ينتظر كلمة مديح .
أحطت وجنتيه الصغيرتين بكلتا يديّ , ابتسمت , و قلت بفخر :
- أحسنت يا بطل
عاد يلون بسرعة , دون أن ينسى شروطي الصعبة , أقصد التي كانت يوما صعبة عليه.
- ألون باتجاه واحد و أملئ كامل الصفحة باللون ..
و كان نصيب اللوحة أن تعلق يومها في معرض المدرسة الدائم , وسط فرحة و بريق عيني الصغير.
في الصباح التالي دخلتُ المدرسة , و وجدته يقترب مني , رافعا يده مستعدا للمصافحة .
مددت يدي مبتسمة , فضرب بكفه على راحتي بقوة كما يفعل الأشداء , لاحظت شعرا مسرحا, ووجها يشع نظافة و ابتسامة عذبة .
قال و هو يساير خطواتي :
- كيفَ حالكِ اليوم يا آنسة ؟
……………………………
رسالة – قصة قصيرة
1 مايو 2009
- رسالة
كانت عقارب السّاعة تقترب من العاشرة مساءً، عندما جلست زينة إلى حاسوبها , و أدارت زرّ التشغيل مُسرعة ، لتشهد وصول تلك الرّسالة اليوميّة إلى بريدها الإلكتروني ، كانت تدهشها تلك الدّقة في وصولها اليومي .
لم تكن تعيرها اهتماما في البداية , و ربما حذفتها مرارا دون أن تفتحها ، و لكن عنوانها الموحد ووصولها في تمام العاشرة مساء كل يوم ، جعلها تتنبه لها , و قد كتبت في خانة المرسل (مجهول).
بضعة أبيات من شعر ابن زيدون ، و وردة ، كانت كل ما تحمله تلك الرسالة الالكترونية .
لم تعد تمتلك تلك التقطيبة التي قابلت بها الحرف و الصورة في البداية ، بل بدأت تلمح ابتسامة على محياها عندما يلتقي بصرها بما تحمله من حروف وورود .
و لم تحدّثها نفسها بالرد على (مجهول) هذا ، مرة واحدة فقط رأت أن تخبره أن رسائله تصل بريدها ربما من باب الخطأ , ثم تجاهلت الأمر .
- من هو هذا المجهول يا ترى ؟
أهو شاب أو فتاة أخطأ إلى بريدها الخطا ؟
أتراه سمج يريد اختبار قوة احتمالها ؟
لا بأس فلديها من القدرة على الصّبر و التّحمل فوق ما سيتخيل .
قرأت أبيات الشّعر ، ابتسمت للوردة ، أغلقت حاسوبها ، غادرت نحو المطبخ , لتعود بعد برهة , و هي تحمل طبق( الفتوش) الذي طلبه غسّان منها و الذي تَبرع هي في إعداده , فتقوم بتقطيع الخضار بدقة بالغة , ثم تعمل على طلاء الخبز( بصلصتها) المكونة من الليمون , و الزيت البلدي , و الثوم , و رشة من النعناع المجفف , وتزجه في الفرن بعد أن تقطعه إلى مربعات , أو مثلثات , تزين بها الطبق الملون بكل أناقة .
وضعته على الطاولة مع كأس من عصير البرتقال , و طبق من الفطائر المقلية , و سارعت ترتدي فستانها الجديد , و تضع قليلا من أحمر الشفاه , ثم تزيد من كثافة رموشها بقليل من (الماسكرا) ، و ترتدي قرطها الذي تعبت , و أتعبت البائع في البحث عن لونه الذي يطابق لون الفستان تماما .
أعلمها صوت مفتاحه بوصوله , فسارعت لترش عطرها الهادئ , خلف أذنيها , و عند مكان النبض في معصميها , و لتقترب من الباب مرحبة مسلمة ، كان قد وصل عند المائدة , يبتسم للأطباق , عندما دخلت الغرفة :
- كيف حالك ؟
- بخير ، سلمت يداك ، أطباق شهية .
- شكرا .
أسرع يستبدل ملابسه , و جلست مع كوب نعناعها ، و هي تتأمل سروره بأطباقها ، و تستمتع بمتعته , و هو يتناولها بشهية .
أمسك كعادته جهاز التّحكم , و بدأ بتقليب المحطات , مكتفيا بمصافحة بصره – لكل قناة – لثوان معدودات , ثم لينتقل إلى غيرها مسرعا،
مضى الوقت أمام محطّة للأخبار ، ثم غادر غسّان الغرفة ، دون أن يتنبه إلى تطابق لون قرطِها مع لون الفستان , و دون أن يستمع إلى قصة الغريب منها .
عادت إلى كرسيها أمام الحاسوب , فتحت صفحة بريدها الإلكتروني , فتحت الرسالة , ابتسمت للوردة .
…………………………………………………
زخارف العقد الفريد
28 أبريل 2009
عِقدٌ فَريد 
يؤَكّد المحاضِرون دائماً ، على ضرورة إعدادنا لتلك القائمة الّتي تضع أهدافنا أمام أعيننا ، لتكون نقطةَ النهاية و التي ينطلق منها نور الطريق ، فنسير و أعيننا على الهدف ، الذي سيبدو بها واضحاً محدداً جلياً .
و لطالما قمنا بإعدادِ تلك القوائِم ، و رصّعنا الورق بأهدافنا الكبيرة البرّاقة ، و بدأنا السير نحو تلك الأهداف بجدٍ و التزامٍ كبيرين ، فننشغل بتلك الأهداف وننسى أنّ هناك أهدافا تكمّلها ، و لا تتحقّق لنا السّعادة الكاملة إلا بها معا .
قد لا يتَنبه الكثيرون ، أن الأحجار الكريمة الّرائعة ، أو الماساتِِ المشعةِ ، لا تشكّل عِقدا فريدا وحدها ، بل لا بدّ من معادن ثمينة أخرى ، تجمع الأحجار ، و الماسات في نظم مبدع ، و تضْفي على الأحجار جمالا ، و تُبرز رونق الألوان فيها ,
و كما يخطف بريق الماس أبصارنا إليه ، فننشغل بحسنه عن جمال الزّخارف الذّهبية التي تكمّله ، كذلك تفعل الأهداف الكبيرة في كثير من الأحيان ، فتحجب ببريقها الأخّاذ عن أعيننا أهدافاً تكمّلها ، و تجعلها أكثر أمانا ، و تحقيقا للسعادة التي ننشد منها .
فتجد مثلا رجل الأعمال ، الذي حقّق الكثير من أهدافه الكبيرة ، قد نسيّ في غمرة نجاحاته نفسهُ ، فأهمل صحّته ، و اعتلّ بدنه ، يرافقه مرض القلب ، أو السّكر ، و الضغط ، و ربما تجده أيضا قد نسي صداقته لزوجته ، و أهمل تربية أولاده ،فخَفَتَ نورُ نجاحه ، و امتزجَ بكثيرٍ منَ الآلام .
و ربّما تجد المرأة التي كان جلّ هدفها هو إعداد أولاد ناجحين متميّزين ، قد نسيت نفسها ، فازداد وزنها ، و ترهّل جسدها ، و أهملت مظهرها ، و ربّما ثقافتها ، و غذاء العقل لديها ، وتصطدم هذه السّيدة بجدارٍ كبيرٍ ، أو شرخٍ واسعٍ في جدار العلاقة بينها و بين زوجها ، أو حتى أولادَها ، فلا ننسى أن مظهر الأم الجميل ، و ثقافتها الواسعة ، و مواكبتها لتقنيات العصر ، هي من أهم الأسباب التي تقربها من أولادها ، و يزيد من تأثير كلماتها في قلوبهم ، و عقولهم .
و قد ينسى الطالب الذي أهمّهُ التحصيل ، و جمع الشهادات الكبيرة ، أمرا هامّا في خضمّ سيره نحو ما أراد ، فلا يهتم بتكوين الصّداقات ، و لا يقدّم ما يُسهم في تعزيز العلاقات التي قد تصادفه في سنين حياتِه المبكّرة ، فيجد نفسه وحيدا ، دون أن ينعم بدفء العلاقات الحميمة بين البشر .
فاقتطاع رجل الأعمال بعضا من وقته للعناية بلياقته ، و اهتمامه بأسرته ، و أولاده ، و زوجته .. هي أهداف صغيرة تدعم هدفه الكبير ، و تحقّق له السّعادة الكاملة .
و محافظة المرأة على جمال مظهرها ، و مسايرتها لروح العصر ، و زيادة مساحة الثقافة لديها ، تزيد من بريق هدفها في رفع شأن أولادها ، و تجعل ذلك الهدف الكبير أجمل ، حينما تكون أماً تملأ العين ، و القلب ، و العقل .
و تكوين الصداقات في سنّ الصِبا ، و المحافظة على الودّ ، و بذل الجهد من أجل إذكاء روح المحبّة ، تجعل الحياة أحلى ، و يجد المرء في طريقه كتفا يستند عليها و قلوبا محبة تستمع أنّاته ، و شكواه .
فما أحلى الحياة التي نسعى بها نحو هدف كبير براق ، و نكمّله بتلك الأهداف الّتي تقربه من الكمال ، و تجعله يحقّق لنا سعادة أكبر ، و الّتي طالما كنت أدعوها زخارف العقد الفريد
عبير النحاس
زهور طفلتي – مقالة
28 أبريل 2009
زهور طفلتي 
كانت ابنتي الصغيرة , ذات الأعوام الثمانية , تسير بقربي - و نحن في طريقنا إلى منزل والدتي - مسافة قليلة , لتتوقف عند شجيرة ياسمين تمر بقربها , تقطف بعضا من زهورها , ثم تضعها في منديل ورقي أزرق , و تلفها بعناية حتى تصل إلى الشجرة التالية , فتعيد الكَرة هناك , و كنت أبتسم و أنا أراها تمد يدها , و تقف على رؤوس أصابعها , لتحصل على المزيد من الزهور لجدتها , و أدرك جيدا سعادتها بتلك الزهور التي ستُسِر بها جدتها كما أُسرّ أنا بزهورها البيضاء التي تجمعها لي في طريق عودتها من المدرسة .
قدَّمتْ المنديل لجدتها مع ابتسامة كبيرة - كما تفعل معي تماما – و فوجئَت جدتها بها كما أتفاجأ أنا , و قبّلتها كما أفعل , لكنّها لم تحمل الياسمينات إلى المطبخ مثلي , و لم تملأ كأسا صغيرة بالماء و تضعها فيها , و لم تركنها في زاوية المنضدة هناك .
لقد أخذت والدتي الزهور إلى الغرفة , و وضعتها أمامها على الطاولة , و راحت تزيل الأوراق الخضراء بعناية , ثم وضعتها بكل أناقة في طبق من الكريستال الثمين , وجعلته على طاولة الوسط في غرفة الضيوف .
و لا تسأل عن اعتزاز الصغيرة بزهورها , و سعادتها الغامرة بأن تجد لها هذه المكانة في غرفة الضيوف من بين الغرف , و عن ابتسامة السرور و الرضا التي لم تفارق شفتيها طوال تلك الأمسية .
و لا تسأل أيضا عن شعوري بالخجل من طفلتي , و أنا أفكر في زهورها التي تسلمتها منها صباحا , و ألقيت بها في ذلك الكأس المشروخ , و التي ركنتُها في زاوية المطبخ .
لقد شعرت طفلتي بالاعتزاز بعملها , و بقيمة زهورها , و قيمة شخصها , و هي تراها تنثر عطرها في غرفة الضيوف .
كان قلب والدتي يعرف كيف يكون مكان قلب طفلة - بحذاء وردي و جديلة طويلة – قد بذلت جهدا كي ترسم ابتسامة على وجه الجدة , فكانت مكافأتها مجزية .
و كنت قد توقعت أن تتوقف طفلتي عن إمدادي بزهورها اليومية , و أن تبدأ بجمعها فقط لجدتها التي تعرف قيمة زهور الأطفال من دوني , و لكنها عادت في اليوم التالي تحمل منديلا ورقيا أزرق اللون , و قد ملأته بياسميناتها منزوعة الأوراق , و كأنها تخبرني أنها الطريقة التي ستقدم لي بها زهورها منذ اليوم , و فوجئت بها كالعادة , و قبلت طفلتي طويلا , و أفردت لزهراتها الوفية مكانا رائعا في أجمل طبق كريستالي أملكه , ثم جعلته في طاولة الوسط في غرفة الضيوف , فقد تعلمت درسا لا ينسى .
لقد كنت أنانية في قبولي زهورا أرادت طفلتي أن تسعدني بها - و قد فَعلَتْ - و لم أعرف قيمة لهديتها , و لم أجعل لها مكانة لائقة بها كما فعلت الجدة , و لكنني الآن أعرف تماما ما الذي عليّ فعله , لقد جعلتني الجدة أتخذ قراري ببذل ما أستطيعه لأسعد من حولي , بكلمة , و بعمل صغير أعبِّر له من خلاله عن امتناني و تقديري له و لكل ما يقول و يفعل , حتى لو كان الذي أعنيهِ طفلة بجديلة و بحذاء وردي .
عبير النحاس
11 – 11 - 2008
حلوى و قهوة و ياسمين

كانت ترفل في ثوبها الأزرق ، و حذائها الأنيق ، تسير نحو الجمع ، وهي تحمل الصينيّة المذهبة المفضلة لديها ، و بين الفناجين تنثر زهرات الياسمين .
كما هي عادتها منذ ثلاثين سنة ، لم تقدم القهوة يوما إلا مع أزهار الياسمين .
لعل في شكلها نوعا من التغيير ، و لكنها ما تزال تحمل تلك الروح المرحة ، و تعتني ببشرتها و شعرها ، تشتري لنفسها و لبناتها العطور المترفة ، و الكل يعجبه ذوقها الفريد .
كُثر هم أحبابها ، هو ، و الأولاد ، و الزهور ،و منزلها .. و الكل يشتاق لمساتها اليومية .
أقبل الجمع على القهوة , دارت معها أحاديث الذكريات , و فاحت عطور ياسميناتها بين كلماتهم .
علت أصوات ضحكاتهم ، بحثوا عن أنفسهم بين طيات الزمان هنا , و بحثت عينها عنه .
مسحة الحزن في عينيه , تلهب نار قلبها ، و تعرف , و يعرف نفسه في حديث الذكريات .
كان في قلوبهم السند , و الملجأ الآمن الحصين ، و لكن أسوار الحصن وهنت كوهن العظم , و برد الحصن .
ما عادت يده القوية تعرف وحدها كيف تثبت قبعة أميرته الصغيرة ،
و ما عادت حكايته الممتعة , تخفف بأس الحمى أيام المرض .
حتى قطعة الحلوى التي اشتراها للأميرة أمس أخافتها ، ثم قدمتها لطفلتها .
- لعلها تخشى على رشاقتها !؟
كبر من كانوا أفراخه , و غادروا المكان .
وحدها من بقيت تسقي الحب للجميع بكوبها المغزول من نسيج قلبها الفاخر .
طعامها اللذيذ .. قهوتها مع الياسمين .. ذوقها الرفيع .. و قلبها الكبير .
ما وجد له مكانا بينهم , غادر إلى غرفته تشيعه أصوات صخبهم ، و أطفالهم , و حزن عينيها .
استلقى في سريره ، وغرق مجددا في كتبه .
اقتربت حفيدته من السرير..
أسندت خديها بيديها الصغيرتين ، و ابتسمت له , أزاح النظّارة عن عينيه ، و ابتسم لوجهها الجميل .
- تماما كابتسامة الأميرة !
مسح شعرها اللامع بيده , ابتسمت , قبلت وجنته بحب .
سألته بلهفة :
- جدي ؟
- نعم يا حبيبتي ؟
- هل تعطيني الحلوى , كما أعطيت أمي ؟
……………………………………………………………………………………
