يوميات بون بونة

بون بونة لا تعتني بأغراض الصديقات

عبير النحاس 
   
  
-          كم كانت مفاجأة سارة كبيرة , و هي ترى بقعة الشاي على دفترها الجميل الذي استعارته منها بون بونة البارحة . 

    
 
-         و كم كان حزن راما كبيرا أيضا , عندما أعادت لها (بون بونة ) قلمها الحبيب مكسورا بعد أن أعارتها إياه البارحة 


  
-         و كان غضب صفاء عظيما , حينما أخبرتها بون بونة , أن ممحاتها الثمينة قد ضاعت منها البارحة  ,عندما استعارتها منها . 


  
-         اقتربت آية من بون بونة طالبة منها أن تعيرها مبراتها الجديدة
لم تكن بون بونة سعيدة بهذا الطلب , فهي تخاف على المبراة كثيرا 
 

  
 
-         و ما إن تركت بون بونة المبراة , حتى سقطت على الأرض , قبل أن تتمكن آية من الإمساك بها , فصاحت غاضبة . 
  
  
 
-         شعرت آية بالحزن , بينما اقتربت راما , و سارة , و صفاء , و بعض الفتيات ينظرن بغضب إلى بون بونة

خجلت بون بونة من نفسها , و قد عرفت أنها هي من أهمل أغراض الصديقات .

انتهت و انتظروني في يوميات أخرى

كل الود

كانت أُمسية رائِعة تلك التي قضيتُها مع والدتي و أُختي في منزل صديقة والدتي , كنتُ في الخامسةَ عشرةَ من عمري  وقتَها , و أختي قد بلغت  السادسةَ عشرةَ  ,  و سارة  (ابنة مضيفتنا) في الرابعةَ عشرةَ.
جلسَت أمَّهاتِنا في غرفة الضُّيوف,  و خرجتُ و أختي مع سارة إلى الشُّرفة الواسِعة و التي بدَت لنا ساحِرة بنباتاتِها المنزليِّة التي تملأُ أركانَها جميعاً , و تتدلى على حوائِطها بتناسق أخَّاذ, و راحت زهورها و أعشابها العطريِّة تداعبنا بنسمات  بارعة , وقد أَسَرنَا جَمال غِطاء  الدانتيل الرَّقيق الذي غُطيت بهِ طاولة الشُّرفة البيضاء المستديرَة .
و بعد مدة ملأتْ سارة تلك الطَّاولة بأطباق ٍمن الحلوياتَ المصنوعةَ في المنزل بعناية فائقة, و لمحت ذات الدَّهشة التي اعترتني في عيني أختي عندما علمنا أنَّ سارة هي من صنَع تلك الأطباق اللذيذة و الجميلة بآنٍ معا.
و بلغ منَّا الحياء مبلَغه حينما فهمنا من بعض حديثِ سارة أنها من يهتمُّ بتنظيف و ترتيب المنزل, و أنَّ عمل والدتها ينحصر في طهي الطعام و بعض الأمور الأخرى إلى جانب إدارتها لمشغلها الخاص بخياطة الألبسة و عملها فيه .
كان عملنا في مساعدة والدتنا وقتها لا يتعدَّى تنظيف الأرضيَّات و غسيل الأطباق,  وربما يقع على عاتقنا في بعض الأوقات عملا إضافيا كترتيب الملابِس في الخزائن و الأدراج , أو تعليقها بعد غسلِها على الحبال,  أما أن نحمل مسؤولية المنزل بشكل كامل فتلك هي المستحيلة الثَّامنة أو أنها الشَّقاء بحدِّ ذاته .
كان هذا ما نعتقده معا حتى عرَفنا سارة الفتاة الوحيدة المدلَّلة, و رأينا بأعيننا كيفَ كان تعامُلها السَّريع و المتقنُ مع مُقتنيات منزلها يوحي بأنَّها من يعتني به و يهتم لأمره .
 و قد زادت سارة همومنا عندما عرضَت علينا بعض قطع ( الكروشيه) و شالا من الصُّوف قامت بحياكته بنفسِها , ثمَّ قامت بعرض مخططٍ (لتنورة) قامت بقصِّها مُستعينة بإحدى الفتيات العاملات في مشغل والدتها,  و كانت ترغب في تعَلُّم الخياطة أيضا , فكانت الطامة .
عُدنا يومها للمنزل و قلوبنا تتفجر حياء من والدتنا,  و يملؤنا شعور بالتَّقصير في حق أنفسِنا ووالدتِنا و قد رأينا نموذجاً واقعيا رائعا لا قِصصا و حكاياتٍ وهمية .
 بقيتُ صامتة طوال الوقت و كذلك فعلتْ أختي , و قد كانت علاقة الصَّداقة الحميمة التي تربط سارة بوالدتها تغرينا بالمضيِّ في طريقها الجميل, و الذي قد  بدا لنا مُتعبا  في بدايته, ولكنَّ نتيجتُه كانت تبدوا لنا أيضا ساحرة , فقد كنت أتوق للحديث مع أمي بتلك الأريحية التي تحدَّثت بها سارة مع والدتِها , و كنت أُريد لها أن ترتاح من بعض العمل لتتفرَّغ لرفقتِنا, و كنت أُريد أن تكون لي مكانتي في قلبها و قلوب الجميع في منزلنا.
 و قد أدركت أنَّ تحمُّل المسؤولية بجانب الأهل, و العمل الجاد المتقن معهم و عدم التَّهرب و الرُّكون للكسل و الَّلهو هي الطَّريق الوحيدة ليدركوا أننا بِتْنا كباراً, وأننا نستحقُّ صداقتهم و احترامهم.

عندما قرّرت أن أكْتب هذا المقال قمت بتدوين عنْوانه و فكرَته و موعدُ التسليم  في مفكّرتي, ثم  بدأتُ باستعراض ما في مكتبتي,  وما في  الشّبكة العنكبوتية من كتب: تحكي و تشْرح للمُراهق كيف يسير قِدما في الطّريق الصّحيح, و كان قدراً رائعاً من الله تعالى أن تعرّفت على كتاب اسمه: (كيف أصبحوا عظماء ) للأستاذ “د. سعد سعود الكريباني” و استغرقت فيه   زمانا و نسيتُ أمر المقال, بل و تأخرت في تسليمه عن الموعد المحدد, فقد عشت لحظات نشْوة لا تقدّر,  و اقشعر بدني  مرارًا، و خفق قلبي  طويلاً  و أنا أبحر مع  سيرِ العظماء التي احْتشدت بكل أناقةٍ و جلال في هذا الكتاب الممتع, و ربما أعتبر مقالتي هنا دعوة لمشاركتي تلك المتعة و الفائدة؛ التي جنيتُها من قراءتي, و الّتي لن تغني عنها بضْع كلماتٍ أو قصص أنقلها منه هنا, و ربما يسرني أن أنقل ما لخَّص به كتابهُ لأطفئ بعضا من فضول أثْرته بكلماتي.
 فقد قال: 
” أخيراً أيها الشباب .. ملخص هذا الكتاب، ملخص ما أردته منكم هو ثلاث جمل:
-        لتكن لديكم أهدافكم الواضحة والمكتوبة.
-        ثابروا واعملوا وابذلوا قصارى جهدكم لبلوغ أهدافكم.
-        لا يحطمنكم الاستهزاء والنقد مهما بلغت درجاته وكثرت مصادره.”
 
نعم هي الخطوات الصّحيحة لتحقيق الأحلام الكبيرة, و التي يجب أن تبدأ في هذه السّن تحديدا, و هي السّبيل الوحيدة لتبدأ بها السّير نحو القمة, و لتترك لك بصْمة في هذه الدّنيا و تكون من السعداء, و هي الطّريق الذي سرت فيه يوما لتحقيق حُلمي الجميل بأن أغدو كاتبة و أمتلِك ناصية القلم يوماً.
فقد كان من جميل ما مرَرت به في صِغري,  أن قرأْت مقالاً مترْجما في مجلة  يحْكي عن ضَرورة كتابة الأهداف, و عشْت في خلوتي مع خطَطي الصَغيرة و أحلامي الكبيرة، و انتهيت بكتابة هدفي الكَبير في أن أكون كاتبة, و عشْت لسنوات أبني قصْري الجَميل في مدينة أحلامي, و أرى جَمال الكون من نوافِذه.
و كانت الصّدمة عندما رفض والدي أن ألتحق بكلية الصّحافة عندما نلْت الشّهادة الثّانوية,  و كان مجموع علاماتي يؤهِلني للالتحاق بها بسُهولة, و لكن خوفَ الأبِ على طفلته من دراسةٍ قد لا تجِد بعدها وظيفة مضْمونة,  و طريقٍ  لا يأمن نهايته السعيدة  بحسب رأيه و رأي المجتمع آنذاك؛ جعله يحول بمحبّته و خوفِه دون حلْمي الجَميل, و وجدْتني أسير في طريق التّدريس و قد اخترت الرّسم كمادة دون غيره؛ لأنَّه متْعتي التي توازي متعة الكتابة.
و أبى الحُلم أن يغادِر كياني, و كنْت أراني أقف أمام الكتب كجائع،  أمام رغيف تفوح منه رائحة الخبز الطازج , و كنت أشتري الكِتاب لأعيش معه ساعات لا أكثر, و  استغرقت في كتابة المذكَّرات لسنوات, و لكن خوفا من سخرية من حولي جعلني أكتفي بقصاصات لنفسي تحفظها ظلمة الأدراج.
و كان أن تجرأت يوما على عرض بعض قُصاصاتي على من رأيت فيه القدْرة على كتمان أمري,  و كنت قد وثقت برفيع أخلاقه و بعده عن السّخرية من خربشاتي, فكان أنْ أثنى و مَدح وَوَجه و نصَح, ووجدْتني أسارع بها إلى إحدى المجلّات فأراها منشورة كما هي, فاشتعلت نار بخور الحلم و فاح العطر من جديد و انتَعشت روحي و سُرَّت دواة مدادي، و بدأ القلم يسْتعيد عافيته و ثِقته  بمنْ يحْمِله، و يرى صورةَ الحُلم واضحة المعالم جليّة بّراقة مرة أخرى, و راح يسْكب على الورق حروفا تدْرك أنّ الهدف و العملَ الجاد و عدم الالتفاتِ للمحبطين هو الطَريق,  وترسِل رسالة امْتنان لكلمة التشجيع تلك, و تعلمُ أنها كانت سببا في العودة نحو القصر، و مدينة الأحلام القديمة.
فها هي الطّريق, و ها هو الاتّجاه, و قد تبين أن هدفا ما يجب أن تنْثره على الورق, و أن عملا به و مثابرة عليه و صبراً على لفتات الساخرين و صرخات المحبطين: هي سر الوصول إلى ما حلمت به، ومن ثمّ العيش بعدها بهناء لتستمتِع بما حقّقته, فهل نبدأ الخطوَ نحو الوَرق؟ .

ما زلتُ أنظر إلى سنواتِ مراهقتي نظرة حبٍ ووداد, و ما زِلت أرى فيها المرحلة الذّهبية الأولى من حياتي , لقد كانت بحق سنواتي الممتِعة الجميلة, و التي كنتُ أمتلك  فيها أعلى طاقة بدنية، و أجمل صفاء ذهني و أطولُ وقت فراغ.
 
و في هذه السن بدأت التّخطيط لسنوات العمر القادمة,  و فيها عرفت أيضا أن حلمي الكبير هو القلم و المحبرة و الريشة معاً, و فيها بدأت البناء.

لقد قضيت سنواتي الجميلة  تلك مع الكتب في مكتبة والدي الكبيرة, و عشت أتأمل ما تنثره محابر الأدباء على تلك الرفوف المعطاءة, و أحلم باليوم الذي سيسْطر فيه قلمي حروفه للأجيال القادمة, و أراني أشعُر بالكثير من الامتنان لهذه الّسنوات الرائعة التي تمدّك بالفراغ  مع التّفرغ من هموم الحياة الأُخرى, و تجعلك قادِرا على التّركيز على هدفك, و الذي لن يكون العمل به بعد تجاوز هذه السّن كما هو العمل فيها, فسَتكون هموم الرّزق و الوظيفة و الأسرة  و ربما المرض و المشكلات الصّحية التقليدية قد بدأت تأسرك في سجونها و تستنزف طاقاتك.

فهي مرحلة تمثل بالنسبة لغالبية المراهقين نقطة الصّفاء و الانطلاق التي يغفل عنها الكثيرون, و يتناسون – و هم بين متع الحياة و لهوها- أن هناك مستقبلا طويلا يحتاج منهم البدءَ ببنائِه,  فتضيع كنوز من الأوقات و الطاقات و التفرغ الجميل من هموم الحياة لا تقدّر بثمن.

و في هذه السن أيضا يتخذ المراهق سمْته و شخْصه, وسمعته, و نوع صداقاته, وثقافته, و يطْبع لنفسِه في أذهان الخلق صورته التي قلَما يستطيع تغييرها في ما لو أراد أن يسير في طريق أخرى قدْ يراها أفضل, و هنا سر خطورة هذه المرحلة, فهي بداية تكوين الشّخصية, و بداية بناء المستقْبل, و الفترة التي نحن عنْها غافِلون.

و قد شهِد العالم أن جميع الأسماء البرَّاقة قد بدأت مبكّرة في بناء مسْتقبلها، و تكوين نمط شخصيتها, و لم تنتظر التّخرج و الوظيفة لتبدأ حياة رَتيبة لا أهداف فيها إلا ما تعَارف عليه كل النّاس العاديين.

و لدينا الكثير من النماذج الرائعة في سيَر الصّحابة الكرام و التّابعين، و القادةِ الفاتحين؛ ممن بدأ المشوار من سنّ الصّبا أو حتى بدأ الرِّحلة في وقت أبكر, و لكن قوانين العالم الحديث هي من صورت للمراهق و لِذويه معه  أنّ تلك المرحلة هي وقت مسْتقطع لا حساب له  ولا قيمة, ولكن هيهات لمن جدّ و اجتهد فيها، و بنى علومه و قدراته أن يتساوى مع من لَها و غفل و اهتم بالتافهِ من الأمور.
 فلو أن متسابقا في مسابقة للسباحة مثلا بدأ الدقائق الأولى من السباق في الّلعب، و من ثم أسرع سابحا!  فهل نتوقع له أن يسبق من بدأ بجد و تنظيم, و مضى في دربه منذ اللحظة الأولى بقوة و سرعة.

فهي إذن السنّ الذّهبية بامتياز, و هي السنّ المناسبة للبدء بالتخطيط و العمل و الاجتهاد معا,  لما وجدنا فيها من ميزات سبق ذكرها..
فهل نشمر عن سواعد الجد و نبدأ من الآن ؟
 و هل سنتدارك الأيام قبل أن يتداركنا الزمان ؟
 وهل سنعرف لهذه السنوات قيمتها التي لا تقدر بثمن؟