عقد فريد ..مما نشرته في مجلة تواصل السورية
15 مارس 2010
عِقدٌ فَريد
يؤَكّد المحاضِرون دائماً ، على ضرورة إعدادنا لتلك القائمة الّتي تضع أهدافنا أمام أعيننا ، لتكون نقطةَ النهاية و التي ينطلق منها نور الطريق ، فنسير و أعيننا على الهدف ، الذي سيبدو بها واضحاً محدداً جلياً .
و لطالما قمنا بإعدادِ تلك القوائِم ، و رصّعنا الورق بأهدافنا الكبيرة البرّاقة ، و بدأنا السير نحو تلك الأهداف بجدٍ و التزامٍ كبيرين ، فننشغل بتلك الأهداف وننسى أنّ هناك أهدافا تكمّلها ، و لا تتحقّق لنا السّعادة الكاملة إلا بها معا .
قد لا يتَنبه الكثيرون ، أن الأحجار الكريمة الّرائعة ، أو الماساتِِ المشعةِ ، لا تشكّل عِقدا فريدا وحدها ، بل لا بدّ من معادن ثمينة أخرى ، تجمع الأحجار ، و الماسات في نظم مبدع ، و تضْفي على الأحجار جمالا ، و تُبرز رونق الألوان فيها ,
و كما يخطف بريق الماس أبصارنا إليه ، فننشغل بحسنه عن جمال الزّخارف الذّهبية التي تكمّله ، كذلك تفعل الأهداف الكبيرة في كثير من الأحيان ، فتحجب ببريقها الأخّاذ عن أعيننا أهدافاً تكمّلها ، و تجعلها أكثر أمانا ، و تحقيقا للسعادة التي ننشد منها .
فتجد مثلا رجل الأعمال ، الذي حقّق الكثير من أهدافه الكبيرة ، قد نسيّ في غمرة نجاحاته نفسهُ ، فأهمل صحّته ، و اعتلّ بدنه ، يرافقه مرض القلب ، أو السّكر ، و الضغط ، و ربما تجده أيضا قد نسي صداقته لزوجته ، و أهمل تربية أولاده ،فخَفَتَ نورُ نجاحه ، و امتزجَ بكثيرٍ منَ الآلام .
و ربّما تجد المرأة التي كان جلّ هدفها هو إعداد أولاد ناجحين متميّزين ، قد نسيت نفسها ، فازداد وزنها ، و ترهّل جسدها ، و أهملت مظهرها ، و ربّما ثقافتها ، و غذاء العقل لديها ، وتصطدم هذه السّيدة بجدارٍ كبيرٍ ، أو شرخٍ واسعٍ في جدار العلاقة بينها و بين زوجها ، أو حتى أولادَها ، فلا ننسى أن مظهر الأم الجميل ، و ثقافتها الواسعة ، و مواكبتها لتقنيات العصر ، هي من أهم الأسباب التي تقربها من أولادها ، و يزيد من تأثير كلماتها في قلوبهم ، و عقولهم .
و قد ينسى الطالب الذي أهمّهُ التحصيل ، و جمع الشهادات الكبيرة ، أمرا هامّا في خضمّ سيره نحو ما أراد ، فلا يهتم بتكوين الصّداقات ، و لا يقدّم ما يُسهم في تعزيز العلاقات التي قد تصادفه في سنين حياتِه المبكّرة ، فيجد نفسه وحيدا ، دون أن ينعم بدفء العلاقات الحميمة بين البشر .
فاقتطاع رجل الأعمال بعضا من وقته للعناية بلياقته ، و اهتمامه بأسرته ، و أولاده ، و زوجته .. هي أهداف صغيرة تدعم هدفه الكبير ، و تحقّق له السّعادة الكاملة .
و محافظة المرأة على جمال مظهرها ، و مسايرتها لروح العصر ، و زيادة مساحة الثقافة لديها ، تزيد من بريق هدفها في رفع شأن أولادها ، و تجعل ذلك الهدف الكبير أجمل ، حينما تكون أماً تملأ العين ، و القلب ، و العقل .
و تكوين الصداقات في سنّ الصِبا ، و المحافظة على الودّ ، و بذل الجهد من أجل إذكاء روح المحبّة ، تجعل الحياة أحلى ، و يجد المرء في طريقه كتفا يستند عليها و قلوبا محبة تستمع أنّاته ، و شكواه .
فما أحلى الحياة التي نسعى بها نحو هدف كبير براق ، و نكمّله بتلك الأهداف الّتي تقربه من الكمال ، و تجعله يحقّق لنا سعادة أكبر ، و الّتي طالما كنت أدعوها زخارف العقد الفريد
عبير النحاس
ثقافة المائدة الرمضانية
طالما ارتبط رمضان في مخيلتي بتلك المائدة العامرة و بألوان من طعامها الملون الجميل , و بالعديد من المشروبات و العصائر التي تزيد المائدة بهجة و جاذبية .
و قد اعتدت منذ صغري هذا الأمر, و بات أمر الطاولة الملونة من الأمور الطبيعية و الهامة أيضا , فمن طبق التبولة أو الفتوش إلى طبق الكبة النيئة و الحرحورة مرورا بطبق البطاطا المقلية و الشوربة و أنواع أخرى من المقبلات بالإضافة الطبق الرئيس , و هو من الأطباق التي يجب أن تصلح للولائم و غالبا ما يتطلب إعداده الكثير من الوقت , و من ثم تنتهي الوجبة بكأس أو أكثر من عصير البرتقال أو الليمون و شراب التمر الهندي أو القمر الدين مع قطعة من حلو عربي أو قطعة كنافة بالجبن أو القشدة الطازجة و أقلها قطع التمريّة و هي عبارة عن عجينة مقلية و محشية بالقشدة أو التمر .
و كما تفعل كل عروس قمت بنقل تلك الثقافة الرمضانية و التي تخص المائدة تحديدا إلى بيتي الجديد, و اعتاد أطفالي عليها أيضا و باتت من الأمور المسلّمة , بالرغم من معاناتي في بعض الأحيان عند إعدادها بشكل يومي , كوني أم لأطفال صغار و امرأة عاملة ,إلا أن مائدة رمضان المبهجة كانت لها دائما الكفة الراجحة .
و في أحد الأيام و بينما كانت تزهو الطاولة بما فيها ,جاء قرار زوجي المفاجئ و الصادم لكل معتقداتنا المتعلقة بمائدة رمضان , و كان القرار حاسما و نهائيا, بأن لا يصنع أي طعام لمائدة الغد , ما عدا طبق بسيط واحد , و كادت أن تتوقف الدنيا عن الدوران حينها, فكيف نتعرف على الشهر من غير تلك المائدة الصاخبة و البراقة , و لكن قرارا كهذا لم تفلح معه كل محاولاتنا , و قبلنا به كونه ليوم واحد فقط .
في الحقيقة كان تقبل الأمر في البداية صعبا , و لكنّ شعوري بالحرية من قيد ألواني اللذيذة أفرحني , و كانت وجوه الأولاد ممتقعة عند الإفطار , فقد اهتز عرش رمضان العامر بكل ما لذّو طاب ,و لكنّ كلمات زوجي – عند تناولنا إفطارنا البسيط – كانت ذات وقع شديد الألم على نفوسهم , و قد راح يحكي لهم ما رآه و سمعه عن أهلنا و أحبتنا هنا و هناك, و عن حرمانهم و أوجاعهم , و ما يعني لهم طبق طعام بسيط مثل طعامنا, و ماذا تعني لهم تلك الجلسة الآمنة السعيدة , و ذكرهم بنعم الله علينا , و بالصحة التي ترفرف على أجسادهم الصغيرة .
لقد تغير وجه رمضان يومها , فلم يعد للشهر ذلك البهاء و تلك الجاذبية المتعلّقة بالمائدة و أطايبها , بل باتت تلك المائدة تشكّل لهم عبئاً ثقيلا و هم يتذكرون إخوة لهم حرمهم الاحتلال من أبسط حقوقهم و آخرين في القرب منهم لا يجدون ما يسدّون به الرمق , لقد كان درسا عظيما ذلك الذي تلقاه الأولاد يومها .
و بالرغم من أن ألوان المائدة باتت أكثر هدوءا و أقل صخبا , و لكنّ قلوبنا أصبحت أكثر اتساعا و أكثر سعادة , و بتنا نكثر من الصدقات و الطاعات , و نفكر في حال الأحبة هنا و هناك ,و قد تفرغت لنفسي , لعبادتي و لشحذ فكري , و بدأت تتسلل إلى نفوسنا معان أجمل من معاني الشهر الكريم , و كنت أنا القائد فيها و المشرف عليها , وحزنت لأيام مضت كان قائد الفريق أسيرا لمائدة , و الفريق يلهو تاركا واجبه .
فمتى تغادرنا ثقافة المائدة الصاخبة لتتفرغ ربّات البيوت للقيادة , و لتسكب في رمضان معانيه الحقيقيّة و الأصيلة .
عبير النحاس
24- 6- 2009
سعادة الإيمان – مما نشر في المجلة العربية
12 نوفمبر 2009


