كنت هنا

و أنا الأن هنا

سأسعد و أتشرف بمروركم

و نقاشاتكم المثمرة

ودي و تقديري

Advertisements

[

بفضل من الله و منة منه تعالى تم إصدار مجموعتي القصصية ( تلميذة الرومان ) من اصدارات دار الفكر في سوريا

قدم للمجموعة أستاذي و أديب الحرف البارع (د. عبد المعطي الدالاتي) بحروف رائعات, فازدانت مجموعتي بتلك الحروف

و المجموعة في معرض الكتاب في دمشق

هنا بعض ما نثرته في مقدمتي:

هي الأنثى تطل في حرفي هنا , كما أحببتها , و كما عرفتها , كما أرادها الله كانت بين الحروف , وعبقت من خلال السطور.

ما أجلستها في مكان لا تحبه , و ما نسبت لها ما لا يليق , و ما أجبرتها ما لا تطيق

أحببتها عفوية , تعتز بتلك الأنوثة , و لا تجهد نفسها لتغيّير من واقع شخصها .

إليك أيتها الأنثى المسلمة , صنعتُ الحرف .

لكم فائق التقدير

لم أكن مضطرة لارتداء قطعة كبيرة من الحلي الذهبية أو الإكسسوارات المقلَّدة وأنا أستعد للذهاب إلى منزل صديقة طفولتي (غالية), قمت فقط بارتداء (جاكيت) من الكتان البني بقصَّة كلاسيكية, و(تنورة) بقصة مستقيمة, واكتفيت بقرط صغير, ولم يكن هناك داع لحمل أيٍّ من الحقائب التي تَظهر ماركة صانِعها عليها, فقد كانت عينا غالية تستطيعان تمييز كل ما هو ثمين دون أن ترى ذلك الشعار الصارخ.

في محل بيع الزهور انتَقيت بعض زهرات البنفسج, وطلبت نوعاً من الزهور الصغيرة ذات اللون الأصفر معها, واخترتُ شريطاً من الساتان البنفسجي لضم الباقة الملفوفة بقطعة من القنب الطبيعي الجميل, وحملت معي زجاجة من عطر(غالية) المفضَّل, ولم أجرؤ على شراء أي من أنواع الشوكولاته التي تعشقها, فسبب زيارتي هو خروجها من المستشفى بعد إصابتها بنوبة قلبية مفاجئة, وقد خشيت أن يكون الدسم والسكر من الأكلات المضرة لها.

في الطريق ابتسمتُ وأنا أتذكر آخر لقاء جمعني بها، وكنت قد اخترت –كعادتي- قطعة من الشوكولاته المستطيلة, وبعد تناولها قمت بطي ورقة السولوفان التي غُلِّفت بها, ومن ثم وضعتها في صحن الكريستال الموضوع على (الترابيزة) الموجودة أمامي، فلاحظتُ ابتسامتها ذات المغزى, ولاحَظَتْ تساؤلي.. فقالت:

“كما أنت دائما, تتهربين من المواجهة وتفضلين التكيُّف, وتمتلكين الكثير من الرومانسية وبعض الأفكار المنظمة”.

ضحكت كثيرا يومها, واعترضت على قولها بأنني أتهرب من المواجهة, وأخبرتها أنني فقط أمتلك بعض الصبر, وعندما ينفذ لا أجد ُبدَّاً من المواجهة، ومهما كانت النتائج, فوافقتْ بعد أن ذكَّرتها بعدَّة مواقف كانت قد شَهِدتها بنفسها.

كنت أعرف ولعها بالشوكولاته, وتناولها المفرط لكل المنتجات التي تتعلق بها, فقد كانت تفاجئ الجميع في المدرسة بكعكاتها المغطاة بالشوكولاته السائلة التي تجلبها لنا لنتناولها سراً قبل مجيء المدرِّسة, ثم تقوم بتقطيعها بنفسها, وتخصُّني بقطعة كبيرة في كل مرة, وكنت أرد لها الجميل وأخصُّها بأكبر قطعة(بيتزا) أقوم بصنعها وجلبها معي إلى المدرسة عندما يحين دَوري.

وكانت تدافع عن محبوبتها تلك, وتعتبر أن بشرتها الصافية أكبر دليل على براءة الشوكولاته من التسبب بظهور حب الشباب, وطالما استمتعت بتلك القصص اللذيذة التي كانت تحكيها لنا عن تاريخ تلك الأكلة منذ أن اعتبرها (الأزتيك والمايا) طعاما للآلهة, ومن ثم إهمال كولومبس لتلك الحبات التي أهداه إياها إمبراطور (الأزتيك), واهتمام ( هيرنان كوريتس) بها وحملها نحو إسبانية بعد سبعة عشر عاما, وحصوله على لقب مكتشف الذهب البني.

وقد نصحتني عندما كنت حاملا بطفلي الأول بتناول الكثير منها ليخرج طفلي إلى الحياة مرحا وهادئا كما هو طفلها، ففعلت وكان طفلي كطفلها تماما.

وفي ذلك اليوم الذي هاتفتْني فيه لتشكو لي تغيُّر زوجها معها, وذهبت مسرعة يسبقني خوفي عليها, ووجدتها جالسة على أريكتها البنية وقد احتضنت طبقا من الشوكولاتة المحشوة بالقهوة, وراحت تتناوله وهي دامعة, وأخبرتني أنها تحاول رفع معنوياتها المحطمة.

وقدمت لي بعض الحبات الداكنة المُرَّة -عندما كنا نمارس رياضة المشي الصباحي معا بعد ولادتنا بزمن متقارب- حرصا على (الريجيم) الجماعي الذي اتفقنا عليه, ودعما لتلك الشراكة.

واختارت قناع الشوكولاته عندما قمنا بزيارة صالون التجميل لعمل علاج لبشرتنا, واخترت لنفسي –وقتها- قناع الفاكهة, وبدأت جلسة التقشير والتنظيف بثقة, ثم ظهرت بشرتها صافية تماما, وأذكر يومها أنني قررت عمل ذلك القناع في المنزل, فأخبرتني أن علي إذابة قطعة كبيرة من الشوكولاته في حمام مائي ثم إضافة بعض الحليب وملعقة من الملح الخشن, ففعلت وكانت النتائج مرضية جدا, ولكن رائحة القناع لم تغادر وجهي ليومين بعدها.

وفي حفل يخصني حصلت منها على مستحضرات غالية لترطيب وتغذية البشرة بزبدة الكاكاو وبعض عناصر الشوكولاته.

دخلتُ غرفتها أخيرا، وقبَّلتها بعد أن أبديتُ إعجابي بثوبها المُترف والمزين (بالدانتيل) المطرز, وبتسريحتها الجميلة, ولم أنطق بشأن تلك الصفرة التي علت وجهها وصدمتني بشدة.

واستكمالا لرونقها قمت بفتح زجاجة العطر, ونثرت رذاذه على رقبتها وأنا أقاوم دمعة كادت تفضح خوفي عليها, ووضعت زهراتي على (الكومودينة) بجانبها, وابتسمت ابتسامة فهِمَتْها عندما رأيت طبقا من الشوكولاته عليها, فقالت وهي تناولني مجلة ملونة: “لقد أكدت دراسة أجراها أطباء في ألمانيا أن الشوكولاته مفيدة للقلب”.

تلميذة الرومان

10 يوليو 2010

تلميذة الرومان

10 يوليو 2010

 

 

 

 

 

 

لم يكن خبر غياب( هدى) مدرِّسة الصف الثاني الابتدائي أسعد خبر تلقيته في هذا اليوم, فغيابها يعني أن تطلب المديرة مني الدخول إلى صفها لأقوم بإشغال الأولاد بدلا منها.

كنت قد وصلت إلى المدرسة قبل حصة كاملة من موعد بداية حصصي، ولم أكن متلهفة للخروج من المنزل والتوجه نحو المدرسة بالتأكيد, ولكنني آثرت القدوم مع زوجي في سيارتنا أثناء توصيله للأولاد قبل ساعة كاملة بدلا من المشي الصباحي, أو الوقوف طويلا بانتظار سيارة أجرة.

لم أفكر في رفض طلب المديرة، فقد كانت تستحق أن نؤدي لها خدمات كثيرة ولو على حساب راحتنا, فهي صاحبة خلق رفيع وطبع نبيل حسن, وقد أشاعت في المدرسة جوا ساحرا من الأُلفة بفضل معدنها الأصيل, ولم تكن ترفض لنا طلبا، بل وتبذل ما في وسعها لحل مشكلاتنا ومشكلات الأولاد وأسرهم, وكان الكثير من الفقراء يأتون إلى المدرسة لطلب مساعدتها وخدماتها ولم تكن تضن بها, فحملت حقيبتي وتوجهت بتثاقل نحو الصف، فقد كنت أرغب البقاء في الإدارة وتناول فنجان قهوة ساخن.

نقرتان على الباب كانتا كفيلتين بإنهاء حالة الفوضى وإخماد الأصوات العالية, وبدا الصف لوهلة هادئا بعد أن عاد التلاميذ إلى أماكنهم ووقفوا احتراما للمدرِّسة القادمة كما علموهم أن يفعلوا.

لم أكن أدرس الرسم في هذا الصف رغم تدريسي لأغلب الصفوف في المدرسة، وقد فسر لي هذا سبب تلك النظرات الفضولية المتسائلة, أشرت إليهم أن يجلسوا فقلت مبتسمة:

– استريحوا يا أولاد.

جلس الجميع بصمت كنت أدرك أنه لن يطول إذا لم أسارع بعمل أشغلهم به, وكان قد خطر لي أن أطلب منهم كتابة شيء ما لعلمي المسبق بأن أيا منهم لا يحمل دفتر رسم أو علبة تلوين أمارس من خلالها اختصاصي, فاتخذت قرارا بأن أطلب منهم أن يكتبوا جداول الضرب مع عمل مسابقة للسرعة بينهم, ومن ثم يتبادل كل طالبين أوراقهما, ويقوم كل منهما بتصحيح أوراق الآخر بقلم أحمر ليشعروا بالمتعة وبأنهم يقومون بأعمال المعلمة التي يتمنونها، فسألتهم:

– ما هي جداول الضرب التي تعلمتموها؟

فقامت تلميذة ذات شعر له لون البرتقال الجميل وقد بدت على وجهها حبات النمش الحلوة والتي لم تخف ملامحها الجميلة ونباهتها الواضحة فقالت:

– تعلمنا الجداول من واحد إلى خمسة وتعلمنا جدول العشرة.

– ممتاز شكرا يا حلوة, هيا أخرجوا دفاتر المسودة واكتبوا فيها الجداول بخط واضح مرتب، وسيفوز من ينتهي أولا وتكون ورقته بلا أخطاء, وسيقوم كل واحد منكم بتصحيح ورقة جاره في المقعد وبقلم أحمر، وسيضع العلامة وسيكتب عبارات تشجيع.

ابتسم الصغار وبحماس أخرجوا دفاترهم وأقلامهم، واقترب مني طفل أشقر ممتلئ تبدو عليه علامات الذكاء وترتسم على وجهه ابتسامة مشرقة، وقد حمل دفتره بيده ثم قدمه لي قائلا:

– هل “تمزقين” لي ورقة من هذا الدفتر.

ابتسمت للطلب وحملت الدفتر وفتحته ثم نزعت ورقتين متلاصقتين من منتصفه وقدمت الجميع للصغير الذي رفع حاجبه دهشة، وقدرت أنه استغرب ولم يعجبه نزعي لورقتين وقد طلب مني واحدة فقط .

غادر إلى مقعده وأخرجت هاتفي المحمول من الحقيبة لأقوم بترتيب بعض القوائم وإجراء بعض عمليات التنظيم المتراكمة.

اقتربت تلميذة ذات شعر فاحم ووجه يشبه القمر وابتسامة تشع دفئا وقد أمسكت بيدها ربطة للشعر ووقفت أمامي ثم مدت يدها بها نحوي قائلة:

– هل من الممكن أن تساعديني بربط شعري؟

أخذت ربطة الشعر منها مبتسمة فاستدارت وأولتني ظهرها فقمت بربط شعرها كذيل الحصان، وكنت أستطيع أن أتنسم عطر صابون شعرها الفاخر عندما تمر بي نسماته كل حين.

أنهيت المهمة، وكافأتني الصغيرة بابتسامة رائعة في طريق عودتها إلى مقعدها, فعدت لهاتفي وقوائمي وانشغلت بها وانشغل الأولاد بجداولهم حتى علا صوت عبد الرزاق قائلا:

– آنسة.. كان عندنا كلـب كلما رأى حية هجم عليها

– أنتم عندكم كلــب؟ أين يسكن؟

– في المزرعة.. يحرس المزرعة.

– هل تخاف منه؟

– لا .. أنا لا أخاف.. عندما ولدت أمي دخلت الغرفة وقلت له تعال فلم يقبل!

– لماذا؟

– لا أعرف.. نعم نعم.. كان هناك قطة تخيفه.

– الكلــب يخاف من القطة ولا يخاف من الحية؟

– أنا أمسكت الحية من ذيلها.. وضربتها.. وضربتها.. وضربتها.

– أنت أم الكلــب؟

– الكلــب موتها نصف موتة.. ولكنها لم تكن ميتة على الأخر فضربتها على الشوك وماتت وهي تفتح فمها.

– بطل.

كان عبد الرزاق فتى نحيلا أسمر اللون له وجه نحيل وعينان صغيرتان، وكان يرتدي قميصا أبيض تحت مريلة المدرسة وقد أحكم إقفال زر قميصه الأخير, وأخرج ياقته البيضاء فوق المريلة.

عاد لدفتره, وعدت لهاتفي ولقوائمي الطويلة.

علا صوته مجددا:

– تعالي عندنا الخميس عندنا درس رسم.

– من يدرسكم الرسم؟

– أنستنا تدرسنا وفي كل مرة نرسم الموضوع نفسه عن تلوث الهواء.

– في السنة القادمة إن شاء الله سأقوم بتدريسكم الرسم طوال العام.

– طيب, ولكن يوم الخميس هذا تعالي.

– إن شاء الله أفعل.

ابتسمت للدعوة, فقد كان أمرا رائعا أن أتلقى مثل هذه الدعوة من تلميذ في الصف الثاني، وهذا يعني أنه يستمتع بما يرى من رسوم معلقة في أنحاء المدرسة ويتمنى وجودي ليرسم مثلها.

بدأت الدفاتر تتقدم نحوي وقد انتهى أصحابها من كتابة الجداول, فقمت بعمل مبادلات ثنائية وعاد الأولاد إلى أماكنهم ليقوموا بمهمة التصحيح مسرورين.

قال عبد الرزاق وهو يكتب:

– آنسة.. آنسة،

– نعم،

– نحن كان عندنا خروف دخل إلى الحمام.

ضحكت, فقال مؤكدا:

– هذه حقيقة.. اقترب من القاظان فاشتعل صوفه واحترق.

– وماذا فعلتم؟!

– ذبحناه وأكلناه.

لم أرد، فقد تجمع حولي حشد كبير من أصحاب الأقلام الحمراء الصغار، واضطررت للعمل معهم بسرعة وإجراء التبديل المطلوب بين دفاترهم, وعندما ابتعدوا وجدت عبد الرزاق أمامي وقد ترك مقعده فسألته:

– هل انتهيت؟

– لا.. ولكن مرة الذئب قتل كلبنا.. ووجدته ميتا.. وكنت وحدي.

– وماذا فعلت؟

أشار بيده قائلا:

– سحبت البندقية وضربت الذئب على بطنه فمات.

أدركت أن خيال عبد الرزاق قد توهج، وأنه لا بد من إيقاف جموحه ولو بكلمة أو نصيحة مقابل المتعة التي أمدتني بها قصصه الحلوة، فاقتربت منه ووضعت يدي على كتفه كما يفعل الصديق الصدوق، وقبل أن أنبس بكلمة رن الجرس واختفى عبد الرزاق من أمامي .

***

القاظان : مدفأة تعمل على المازوت يستعملها السوريون لتدفئة المياه في حماماتهم .

مما نشرته في موقع رسالة الإسلام

 

 

 الحجاب وهدية الأمان

 

 عبير النحاس

كنت قد شعرت بالأمان بعد أن وضعت لُصاقة على كاميرا الحاسوب الخاص بي خوفا من أي اختراق, وعاد بي هذا الشعور زمنا إلى الوراء, وتذكرت إحساسا جميلا بالأمان غمرني يوم ارتديت الحجاب. كان ذلك في السنة الأولى من دراستي في معهد الفنون, وكان قرارا لا رجعة فيه أيضا بعد أن رأيت من أحوال صديقات لي محجبات ما أعجبني وأغراني بارتدائه بلا تردد. في مجتمعي الذي نشأت فيه لم يكن أمر الحجاب مألوفا, وأذكر أنني بحثت طويلا عن حجاب طلبته مدرسة التربية الدينية عندما كنت في الصف الرابع الابتدائي ولم أجد, واضطررنا يومها للذهاب إلى بيت جدتي ووجدت هناك “إيشارباً” حريرياً ملونا وصغير الحجم كما كانت الموضة في تلك الأيام, وكان أن اتخذت قراري بعد أن تم قبولي في المعهد، وبالفعل تم لي ما أردته. بالطبع كنت أبدو بين الجميع طفرةً, وعانيت من كلمات السخرية طويلا، وقالوا إنني بت أشبه الجدات, ثم أُخبرت بأنني لن أتزوج بعد ما فعلته بنفسي، وأن أيا من الشبان لن يفكر في دفن نفسه مع مثلي, وكنت أناقش حينا وأصمت ترفعا في كثير من الأحيان. وكانت أكبر الحروب على الإطلاق تلك التي خضتها مع نفسي, وكانت قد شنتها علي بقوة وامتلكت الكثير من الأسلحة التي أشهرتها في وجه صمودي, فأذكر أنها أخبرتني أن أحدا لن يتذكر تلك الحسناء, وأنني إن تزوجت فكيف سيكون حفل زفاف لا يزينه شباب وصبايا العائلة معا, وأكدت لي أنني سأبقى وحيدة هكذا دون صديقات بعد أن غدوت في هذا المجتمع كواحدة من عجائب الزمان. وكدت أرفع راية الهزيمة تحت تلك الضغوط, وتلك الحرب التي شنتها عليَّ روحي, وصمت أهلي وقرارهم بترك الأمر برمته لي وحدي. وفي الناحية الأخرى كانت تهب نسمات عليلة منعشة, كنت أرى في عيون البعض شيئا من إعجاب، وفي عيونهن كثيرا من الانكسار, وكانت كلمات أحدهم وقد صارحته برغبتي في ترك الحجاب فقال: “سيضحك الجميع عليك, وسيشمتون بك, فكلهن يتمنين لأنفسهن ما فعلت, ولكنهن ضعيفات”. وكأن كلماته كانت جرعة الدواء, وكأن الله أرسله بها ليداوي تلك العلة, فكان الثبات. بدأت بعدها ألمح في العيون احتراما وتقديرا, وكنت أول من تزوج من أولئك الفتيات, وكان زوجا أستطيع أن أفخر بارتباطي به, ولم يفسد غياب الشبان حفل زفافي مطلقا, فكان أن فقدت أسلحة الجميع أنصالها وخاب سلاح نفسي معهم. وبدأ السرور يتبدى لعيني بعد حين فرأيت الحجاب يزين رأس والدتي وأخواتي وخالاتي وصار وجود الحجاب أمرا عاديا بعد سنوات عدة, وقد تذكرت تلك الأيام السعيدة بعد أن أعادت إليَّ لصاقتي ذلك الشعور اللذيذ بالأمان, وحمدت الله أن هداني وأهداني هذا الثبات، وسألته تعالى حسن الختام.

سر اللوحة الصفراء – عبير النحاس

حَمَلَتْ لوحة هادي من جديد نحو غرفة الصفِّ وهي تقول لنفسها:

–         لن يكشف السرَّ غيركَ يا صغيري.

كانت اللوحة تصوِّر شمساً تُطِلُّ على بحيرة زرقاء صغيرة، وتحيط بالبحيرة ورود صفراء كثيرة، ويسبح فيها سمك أصفر مبهج, وقد أثار استغرابها وفضولها كثرة استخدامه لهذا اللون في لوحته تلك.

ابتسمت طويلاً وهي تراه يقفز معبِّراً لها عن سعادته بكلماتها التي أثنت بها على اللوحة يومها، فالقفز هو طريقته الوحيدة التي تعرفها في التعبير عن فرحه, فقد كان هادي طفلا تَوَحُّديَّاً, ولم يكن يعرف كيف يرسم ابتسامةً ما على وجهه, وكان كل ما يفعله عندما تطلب إليه أن يبتسم لكاميراتها؛ لتلتقط له صوراً مع لوحاته، هو أن يكشف لها عن أسنانه.

حملت اللوحة يومها إلى منزلها, وهناك أسرعت إلى المطبخ لتُعِذَّ طعاماً خفيفاً, ولتتنقل بين الغرف ترتبها بسرعة قبل أن يصل زوجها, ثمَّ فاجأته بإعدادها المبكِّر لكوب الشاي، وكأنها تستعجل قيلولته, فابتسم وغادر نحو غرفة النوم تاركاً إياها تُبحِر وحيدة في الشبكة العنكبوتية؛ لتكشف سرَّ لوحة هادي.

كانت متأكدة أنَّ هناك ارتباطاً ما بين لون اللوحة الأصفر، وبين مرض الصغير, وكانت تدرك أنَّ ارتباط اللون الأصفر بالسرور في آيات الكتاب الحكيم -وفي سورة البقرة بالتحديد- هو بداية كشف ما سيساعد تلميذها المسكين.

راحت تُسجِّل ما في المواقع الإلكترونية من معلومات؛ لتقوم بتنسيقها فيما بعد, فكتبت على دفترها ما وجدته في أحد المواقع:

–         “الذين يفضِّلون اللون الأصفر هم أشخاص مثاليُّون، متفائلون سُعداء، وحكماء، إذ تتناغم صفاتهم مع صفات هذا اللون الذي يعتبر رمزاً للضوء والثراء, وقادراً على شحن صاحبه بالحيوية، والقدرة على الإبداع”.

–         “اللون الأصفر يُؤثر تأثيراً إيجابيَّاً على عمل الكبد والطحَّال والبنكرياس والغدة الدرقيَّة والشُعب، ويقوِّي الجهاز العضلي والعصبي للجسم، ويُنصحُ باستخدامه بشكل خاص للشخصيات التي تعاني من عُسر في الهضم، أو إمساك مستمرٍّ، أو صداعٍ نصفي، وكذلك لمن لديهم استعداد للاكتئاب أو التشاؤم”.
– “إنَّ طول الموجة اللونية للون الأصفر تنشِّط عمل الدماغ؛ فيبقي عليه في حالةٍ يقِظةٍ تامةٍ، وصفاءٍ ذهنيٍ كاملٍ، كما يقوِّي هذا اللون الجهاز العصبي عموماً، وبناء الطاقة العضلية، وينشِّط عمل الغدد اللمفاوية، وينقِّي القنوات الهضمية، ويُحفِّز نشاط البنكرياس والمرارة”.
– “هو الأقرب للون شعاع الشمس، فهو لون الفرح والبهجة.

ومن الخواصِّ الإيجابية لهذا اللون: أنه يُحفِّز النشاط الفكري، ويبقي الذهن في حالة من التنبُّه والصفاء”.

استيقظ زوجها من غفوته, فسارعت لإعداد فنجان قهوته التركيَّة، وحرصت على جمع القشدة البنيَّة الفاتحة من الركوة، ووضعها في الفنجان قبل أن تُعيد الركوة لتغلي مرة ثانية, سكبتْها وحملت نحوه فنجان القهوة البنيِّ ذو الحافة الرقيقة، وقد عَلَتْهُ القشدة.

وفي الغرفة وَجَدَتْهُ يُحَدِّقُ في حاسوبها، وفي تلك الصفحات التي كتبتها مستفسراً عن سرِّ اهتمامها المفاجئ باللون الأصفر.

وضعت الفنجان أمامه على الطاولة، ثمَّ أخرجت له لوحة هادي، وراحت تشرح له بحماس عن حالته وما لفت نظرها في لوحته، وما تَأْمَلُ أن تجده في بحثها الطويل المضني.@

ابْتَسَمَ دون تعليق، وغادر الغرفة حاملاً فنجانه ليتناوله وهو يرتدي ملابسه وحده دون مساعدتها؛ ليتركها وما يشغلها، ثمَّ غادر المنزل بهدوء.

قرأت طويلاً عن الأطفال التوَحُّدِيِّين، وفوجئت بأنَّ البعض منهم تمَّ شفاؤه بمجرد حمية، واستغربت أن لا تصبر والدة هادي على متابعة حمية التوَحُّد، وهو وحيدها وحبيبها ومحطُّ اهتمامها.

عاد زوجها بعد ساعات ليجد عينان حمراوان تحت زجاج نظارتها ذات الإطار الأزرق، والمحلَّاة بخيوط من الفِضَّة, ابتسم مشفقاً وقال بحنان:

–         هل لي بإبداء رأيي؟

–         نعم بالتأكيد.

–         لم لا تسألين الصغير عن سبب استخدامه لهذا اللون؟

استغربت لسهولة الفكرة وبراعتها، وأعجبها منطقه؛ فعليها أن تسأل صاحب اللوحة أولاً؛ لعلها تجد طريقها في البحث بعد جوابه بسهولة أكبر؛ فاستجابت مبتسمة وأغلقت حاسوبها؛ لتقوم بإعداد مائدة العشاء، وقامت قبلها بإرسال الصورة إلى موقع إلكتروني يقوم بتحليل الرسوم؛ لكشف أسرار صاحبها، معتمداً على علم النفس وعلم اللون والخطوط.

في الصباح استيقظ زوجها ليجدها وقد ارتدت ملابسها، وبدأت في شرب فنجان قهوتها قبله، ولمح في وجهها تلك النظرة التي يعرفها جيِّداً عندما يَسْكُنُ الحماس قلبها.

دخلت الصفَّ، وسرعان ما وضعت اللوحة على الطاولة، ونادت هادي، وسألته عندما راح ينظر إلى اللوحة:

–         أي لون تُحِبُّ يا هادي؟

أجاب دون تردُّدٍ ودون ابتسامة:

–         الأصفر.

–         وهل لأجل هذا جعلت لون الورود والأسماك صفراء هنا؟

–         نعم.

–         ولماذا تحب هذا اللون يا صغيري؟

–         لأنني رأيت رونالدينيو يلبسه وهو يلعب مع فريق البرازيل.

مما نشرته في موقع رسالة الإسلام.

شعرت بالصدمة عندما دخلت زميلتي في المدرسة إلى الإدارة وبصحبتها والدة إحدى تلميذاتها الصغيرات, حدثتنا الأم وقتها عن محاولات تلميذ في الصف الأول للتحرش بابنتها التي تجلس في مقعد قريب منه, ولم تكن التحرشات في البداية تتعدى الكلمات ثم تطور الأمر إلى سلوك لم تتقبله الصغيرة, فما كان منها إلا أن أخبرت والدتها التي حضرت مسرعة إلى المدرسة لتحمي ابنتها من هذا الوحش البشري الصغير.

وكانت المفاجأة الكبرى للجميع عندما حضر الطفل المتهم, فكان أصغر وأكثر ضآلة وبراءة من أن نلقي عليه تهمة بهذا الحجم, ولكنها كانت ملتصقة به تمام الالتصاق, وتبين لنا جميعا صدق الفتاة عندما لم ينكر الفتى أيًّا من الاتهامات، بل اكتفى بخفض رأسه استكمالا لسمته ومظهره البريء.

وبين التهديد والوعيد وبين الترغيب والترهيب – من مديرة المدرسة ومن تواجد حينها من المعلمات- نطق الصغير بما أدمى قلوبنا جميعا فقال:

– إنه أخي الكبير.

وحضرت الوالدة وراحت تنتحب وتنشج وتضرب نفسها بعد أن نال منها ابنها بعض الصفعات, ثم أجهشت بالبكاء بشدة وبكينا جميعا معها.

كانت تقول وتكرر قولها: “وهل يأكل الإنسان لحمه!؟ كيف يفعل هذا بأخيه؟”

ثم سألت طفلها بشفقة: “لِمَ لمْ تخبرني يا ولدي؟”

فأجاب باكيا: “كنت أقول لك إن بطني يؤلمني وأنت لم تعرفي”

“متى كان يفعل؟”

“عندما تكونين خارج المنزل.”

غيرتني تلك القصة, كنت أذرف دمعا أودع به تلك الوالدة وهي تلملم جرحا لن يندمل, وتسير بفرخها النازف نحو عش لم يجد فيه الأمان, وأودع معها ثقتي بأيٍّ كان.

لم أصبح بعدها معقدة، بل بت كثيرة الحذر والحرص, وباتت عيني ترى أبعد من ستار الأمور العادية, ووجدت للأم مهمة أخرى لا تقل أهمية عن تربية أطفالها ألا وهي حمايتهم.

كيف أحميهم؟

يفرض هذا السؤال نفسه:

– التقوى أولا:

يعرف كل مسلم أن من يتقي الله يحفظه, وأن هناك قصاصا عادلا لمن يعتدي على حرمات غيره, وأن من أسهل الطرق وأيسرها لتضمن حماية الله لذريتك أن تبتعد أنت عن حرمات الآخرين.

أحدهم كان قد غرر بابنة جيرانه وقام بالاعتداء عليها في منزلها عندما قفز نحو حديقة منزلها في غياب أهلها, وعملت والدتها على تزويجها له لتنهي الفضيحة وخوفا على الصبية من إخوتها لو علموا, وبالفعل تم الزواج وعاشت معه تلك العيشة المرة وتحملت صابرة سوء طبعه، واعتادت أن يعود كل يوم للمنزل وقد شرب الخمر وفقد عقله, وعانت كثيرا من غيرته وكانت مخلصة عفيفة, وعلمت أولادها وأحسنت عشرتهم حتى جاء ذلك اليوم الذي دخل فيه منزله وقد أطاح الخمر بعقله فقام باغتصاب ابنته، وكان هذا هو القصاص، أعاذنا الله والمسلمين منه.

والأمر الثاني والمهم أيضا هو أن يستودع المؤمن أولاده الرحمن ويكون هذا:

* بالدعاء أولا.

* وقراءة أذكار الصباح والمساء.

وتعليمهم هذه الأذكار مع كل ما يستطيعه مما ورد في سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم منها.

– التربية أولا وأخيرا:

كثيرا ما أتألم لرؤيتي أطفالا يتمتعون بكل المحاسن التي يتمناها المرء لأولاده كالوسامة والأناقة والنظافة والذكاء وحسن الدرس, ويفتقدون أدنى درجات التربية الدينية, وهم بالتالي لا يبالون بستر عورة أو حفظ لسان أو بانتهاك حرمة أو تضييع أمانة، وتعجُّ مدارسنا وشوارعنا بنماذج من هؤلاء, وهنا لنا وقفة:

“فأين الأهل؟ ولماذا ينجبون؟ وهل يأملون أن يأتي من يعلم أطفالهم دينهم في الشارع مثلا أوفي المدرسة؟”.

كان إبراهيم تلميذا في الصف الثالث في مدرستنا, وكان يتيماً ومهملا لدروسه ونظافته وأناقته، وكان يؤذي أصدقاءه ويعاملهم بعنف, وكنت تستطيع أن ترى مسحة طفولة تطل من ملامحه الدقيقة ولا تملك إزاءها إلا الشفقة عليه, وقد وصلت عدة شكاوى على صغيرنا تخبرنا بأنه يقوم ببعض التصرفات المنافية للأدب أمام رفاقه, وعلمنا منه بعدها أنه يصاحب بعض الأولاد في الشارع ويتعلم منهم ما يفعله في المدرسة, وقد حاولت المديرة احتواء الصغير, وقامت بدعوة والدته وتحذيرها من تركها له في الشارع طويلا, ومن تركها للمنزل لساعات طويلة تقضيها مع جاراتها كل يوم, وكانت حجة الأم أنها تعمل مع جاراتها في إعداد وجبات طعام جاهزة, ولكن الجميع كانوا متأكدين من أنها تستطيع العمل في منزلها ولكنهن يجتمعن للتسلية, وتبرعت إحدى الزميلات بتدريس إبراهيم في المنزل, وبدأت النتائج تظهر في علاماته بسرعة, وتغير تعامله مع الزملاء وظهرت أخيرا ابتسامته المشرقة, ولكن الحال لم يستمر طويلا, فقد كانت تربية الصغير وطبيعته لا تتناسب مع منزل تلك المدرِّسة المنضبط الملتزم النظيف الهادئ, ففتر حماسها وطويت الفكرة, وعاد اليتيم إلى الشارع وعادت أمه إلى بيوت جاراتها لتعمل وتتسلى.

أقولها وبكل ثقة:

إن لم تكن التربية قادمة من المنزل فلن تأتي من مكان آخر, وقد يصقل المرء خارج منزله ولكنه سيكون مصحوبا بالحرج والألم, ولن تكون التربية عذبة نقية محببة كما لو جاءت منذ الصغر ورضعها الطفل مع حليب الأم وطعامها الهانئ الآمن.

حسن الصلة:

قالت إحدى المشاركات في موضوع طرحه موقع البي بي سي:

“كنت في التاسعة من عمري حينما حدث لي ما حدث. فقد تحرش مدرسي بي جنسيا، وكان يتحرش بكل فتاة في القسم. وكان يختار البنات الخجولات وأنا كنت منهن، كما أن ابن عمي تحرش بي، ولم أستطع أن أقول شيئا لعائلتي. لو أن المدرس وابن عمي علما بأنني كنت سأخبر أهلي لما ارتكبا فعلتهما، ولكنهما يعلمان بأن هذه الموضوعات لا تحكى للعائلة. نصيحتي إلى الآباء: لا تتركوا أبناءكم وبناتكم مع أي غريب، وعليكم أن تسألوهم عن كل شيء مما يقع في المدرسة وغيرها من الأماكن”. مها – أمريكا

ومن هنا نفهم ضرورة التواصل بين الأهل والأولاد، وضرورة أن يكون الأهل هم الملاذ والملجأ الأمين للطفل مهما كان ما يحصل معه.

الحذر والتحذير:

لم كن أتخيل يوما أن أكون شاهدة على حادثة تحرش ربما كانت ستتطور إلى اعتداء لو لم أكن هناك, فقد كنت في المدرسة وكان هذا قبل سنوات، وأثناء الدرس أرسل مدير المدرسة طالبا إحدى الطالبات لتتوجه نحو الإدارة, وكنت أرى صورا تثير الريبة في طريقة تعامل هذا المدير مع الطالبات، وأتعجب من وجودهن المستمر حوله وفي إدارته, وكانت نورا تشبه الشمس بجمالها وبراءة محياها, وعادت بغير الوجه الذي ذهبت به، وكان لونها ممتقعا, ناديتها نحوي وسألتها: “هل قال لك شيئا أخافك يا نورا ..لا تخافي يا حبيبتي فأنا أعرفه ..وسيكون الأمر سراً بيننا”

فأجابت وهي ما تزال مذهولة: “لقد أخبرني بأنه يحبني.. وأن هذا سر.. ولا يجب أن أقول لأحد.. وأنه يحب أن أتي إلى إدارته كل يوم”

واحترت في أمري بين طفلة تكاد تسلب براءتها, وذئب لا يرحم, ويتمتع بحماية الجميع, وقلت لها يومها:

“ألست تخبرين والدتك بكل ما يحصل معك”

فقالت: “بلى”

قلت: “فعليك أن تخبريها بكل ما جرى يا صغيرتي وأخشى أن يصيبك مكروه لو بقيت صامتة”

واتصلت بقريبة لي تعمل في دائرة الرقابة والتفتيش، وأخبرتها بما يحصل، فحذرتني من تقديم شكوى ضده لو لم يجتمع معي عدد من الشهود، وقالت مؤكدة: “لا تخوضي معركة خاسرة فالقانون يحميه والشهود غالبا ما يخلفون وعودهم” وكان هذا رأي كل من استشرته.

أما نورا فقد نقلها والدها من المدرسة ليحميها مؤثرا السلامة على إدخال طفلته في هكذا قضية بعد أن أبدى امتنانه لي, وأما أنا بدأت أعلم صغيراتي الحذر مما يريب، وانتقلت من المدرسة بعد أن تقاعد ذلك المدير منها.

وقد رفضت صديقتي يوما طلب طفلتها أن تنام في بيت عمها وقالت: “لا” بلهجة حاسمة فابتعدت الصغيرة مكسورة الخاطر, وتعجبتُ وقتها فقالت رداً على تساؤلي:

“الذي أعرفه أن ابنتي أمانة ومن ثمَّ فَعَليَّ حفظها, والبنت عندي لا تنام إلا في بيت أبيها أوفي بيت زوجها بعده وهذا واجبي سواء رضيَت أم لم ترض”.

لقد كانت في الحقيقة أما رائعة، فرغم أننا لم نكن نرى لها عملا في الدعوة خارج منزلها, ولكنها كانت تعرف كيف تحفظ البنات وتعلمهم واجباتهم الدينية والستر والحذر الشديد, ولا أذكر أنني رأيت عورة في بيتها – حتى لطفل صغير- مع شدة ولعها بالأناقة والموضة.. لقد كنت أتعجب وأُعجب بما أرى.

والستر في المنزل له أثره العظيم، فلا بد من تعويد الفتيات على الستر وإخفاء العورات والمفاتن عن إخوتهن وآبائهن وكل قريب، فهذا أدعى لحماية البنت وحماية الآخرين من فتنتها، مع تعاهد المحطات الفضائية والشبكة العنكبوتية بالتنظيف وإزالة كل ما يثير الشهوة.

تقول مشاركة في موقع البي بي سي:

“هذا الموضوع لمس جرحا عميقا جداً داخل نفسي، لأنني أنا شخصيا تعرضت إلى عدة تحرشات جنسية من كثير من الأقارب ومن أهل المنزل الذي كان أهلي يرسلونني إليه وأنا صغيرة، وهو كان مثل الحضانة، حيث كان عندهم شباب داخل المنزل وجميعهم في سن المراهقة، وكانوا جميعا يتحرشون بي من دون أن يعرف كل واحد منهم أن الآخر يتحرش بي أيضاً، لدرجة أن زوج السيدة التي كنا نجلس في منزلها كان يتحرش بي أيضاً، وهذا أصابني بعقدة كبيرة في حياتي، وجعلني أشك في كل شخص ولا أعطي لأي أحد الأمان، حتى إني لا أتذكر إن كنت ما زلت عذراء أم لا، لأني كنت وقتها صغيرة جدا في السن، وهذا ما يشكل بالنسبة لي الرعب الكبير لأني حالياً مخطوبة وعلى وشك الزواج، ولا أعرف ماذا أفعل لأنني منذ البداية وحتى الآن لا أجرؤ أن أتحدث عن هذا الموضوع مع أي أحد.” مها – القاهرة

فأمر الثقة في المحيطين مهم جدا, وقد يجانب الصواب من يثق بغير نفسه, وينبغي للأهل وبخاصة الوالدة أن تصاحب الشك فقط وتجعله صديقها الدائم حتى تصل بمن تتولى رعايتهم إلى بر الأمان, وتضمن بهذا لها ولهم السعادة والهناء.

– تأمين احتياجاتهم:

في إحدى القصص المؤلمة كان ابن الجيران يغري الصغير بأن يسمح له بحمل طيوره التي يربيها على السطح, وفي بعضها كان الإغراء يتم بمشوار ولعبة أو بقطعة حلوى, وفي المقابل على الأهل سد ما أمكنهم من احتياجات أطفالهم المادية والمعنوية, والتحذير والسؤال عن مصدر كل ما قد يجلبه الطفل أو يتواجد معه من أغراض أو نقود أو طعام, مع التحذير أيضا من الغرباء وتعويدهم العزة في رفض العطايا, والانفتاح مع الأهل في كل ما قد يهدى أو يعطى إليهم، فقد تم اكتشاف الكثير من الجرائم عندما أثارت قطع حلوى كثيرة أو نقود غير معروفة المصدر ريبة أم أو مدرس.

كنت أقول لطفلتي عندما يعطيها أحدهم شيئا: “لا بد من أن تخبريني لنقدم له هدية بالمقابل، وكنت أحصل منها على تقارير مفصلة”.

وفي النهاية لا بد من أن نعلم أننا وحدنا من سيحمل الوزر والهم لو ابتلينا بالمصائب بسبب تربية مفقودة أو واجب استثقلنا القيام به وفات أوانه، فلا بد من التشمير والتنبه والعمل الجاد.

مما نشرته في موقع رسالة الإسلام

راما و حكاية البيت السحري

قَبل موعد النوم بقليل, و بعدَ أن تناولت راما عشاءها, و قامت بتنظيف أسنانها, و قبَّلت والديها ثمَّ أغلقت باب غرفتها و توجَّهت نحو سريرها بعد أن أطفأت مصباح الغرفة الكبير, و اكتفت بإضاءة المصباح الصغير قرب سريرها, و بدأت بقراءة قصة ( هانسل و غريتل) و هي مستمتعة.


كانت هذه القصة تحكي عن ولدين صغيرين تركهما والدهما في الغابة تحت إلحاح زوجته الجديدة الشريرة, و بعد أن تاه الصغيران في الغابة عثرا فيها على منزل مصنوع من الحلوى و الشوكولاتة و الكعك اللذيذ, و كان هذا المنزل فخاً نصبته الساحرة لتصطاد به الأولاد التائهين في الغابة.

لم يحتمل قلب راما رؤية الصغيرين وحدهما, و خافت عليهما أكثر عندما اقتربا من منزل الساحرة, فقررت أن تقفز بسرعة داخل القصة, و تحذر الولدين من هذا الفخ, بعد أن تقدم لهما قطعا من حلوى المنزل قبل أن تصل الساحرة إليه.

قفزت داخل القصة بخفة غير مهتمة بالمثل القائل : ” أن من تدخل في ما لا يعنيه لقي ما لا يرضيه ” .
و حملت بعض قطع الحلوى التي اختارتها من المنزل بعناية , ثمَّ ذهبت مسرعة نحو الصفحة السابقة, و قدمت الحلوى ل(هانسل و غريتل), و جلست تخبرهما عن سر بيت الساحرة, و تحذرهما منه , ثم عادت إلى غرفتها سعيدة بعد أن احتفظت لنفسها ببعض القطع اللذيذة, و أكلتها ثم نسيت أن تنظف أسنانها قبل أن تغط في نوم عميق .

في الغابة غضبت الساحرة كثيرا عندما تأخر وصول (هانسل و غريتل) إلى منزلها, ازداد غيظها بعد أن أخبرها الغراب الأسود بما فعلته راما, فقررت أن تركب مكنستها و تبحث عن راما لتقوم بمعاقبتها .

و استطاعت الساحرة أن تجد راما بسهولة فقد كانت رائحة الحلوى تفوح من فمها بقوة.
و في غرفتها صرخت الساحرة بصوتها الأجش قائلة :

– أيتها الفتاة الفضولية .. لقد ابتعد الولدان عن بيتي الجميل .. و لم يعد هناك قصة يستطيع الأولاد قراءتها بمتعة.. لقد دمرت القصة .

قالت راما بخوف :

– لا تقلقي أيتها الساحرة, سأصلح الأمر و سأقنع( هانسل و غريتل) بالعودة إلى بيتك .

هدأت الساحرة قليلا و قالت :

– لا بأس إن كنت ستفعلين , و لا تنسي أن تعيدي لمنزلي قطع الحلوى الناقصة أيضا.

كانت راما متعبة و هي تقنع هانسل و غريتل أن وصولهما إلى بيت الساحرة سيجعل قصتهما أكثر جمالا و متعة, و لكنها أخبرتهما بسر الساحرة خفية, و أخبرت غريتل أنها من سيحرق تلك الشريرة في الفرن الكبير و ينقذ الأطفال منها, ولكنها كانت حزينة أيضا و هي تشتري بكل ما معها من نقود بعض قطع الحلوى التي لن تتناول منها , بل ستلصقها ببيت الساحرة التي جلست تنتظر الأولاد من جديد.

مما نشرته في مجلة أجيال الإلكترونية
عبير النحاس